Ana sayfa Özgeçmiş Arapça Öğreniyorum Arapça Alıştırmalar İletişim

 
    Ana sayfa > Arapça Makale ve Araştırmalar > Medeniyetler Çatışması ve İslam Medeniyeti





 
 

 

 

صراع الحضارات والحضارة الإسلامية

 

د. نظام الدين إبراهيم اوغلو

باحث أكاديمي تركماني ـ تركيا

e.mail. nizameddin955@hotmail.com

مقدمة

 

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.

كما نعلم أنّ لكل أمة حضارتها تتفاخر بها والحضارات التي نجدها في التاريخ بشكل عام على قسمين:

القسم الأول: الحضارة القائمة على خدمة البشرية: فهي حضارة الأنبياء والرسل والحضارة الاسلامية، فهي قائمة على نشر العلوم والصناعة والتكنولوجية والرفاه والسعادة والأمن والطمأنينة بالإضافة إلى نشر الأخلاق السامية والعدالة والمساواة والحرية بين الناس. وهؤلاء هم الأمم المؤمنة والمنصفة والعادلة وهؤلاء لا يمكن أن يفكّروا يومًا ما بظلم واستغلال شعبهم لأنهم يخافون الله تعالى. وهم يفكرون في خدمة الأنسانية وإسعادهم في الدنيا والأخرة، ولم نر في تاريخ البشرية ظلم المؤمنين للبشرية أو الحكم عليهم جبرًا أو الضغط عليهم لأجل تبديل دينهم أو لغتهم أو إجبارهم على الهجرة والقتل والتشّرد أو منعهم في تولي المناصب العالية أو منعهم من التجارة وبناء المصانع ونحو ذلك.

القسم الثاني: الحضارة القائمة على هدم البشرية: فهي حضارة أعداء الأنبياء والرسل والحضارة الاسلامية، فهي قائمة على إزالة ثقافة وعلوم وصناعة وتكنولوجية الحضارات، وهدم البنية التحتية وحرق الأشجار والمكتبات عندهم، ومنع الرفاه والسعادة والأمن والطمأنينة من الشعوب مع تهميش حقوقهم ومنع حرياتهم، بالاضافة إلى تشجيع الفساد والأخلاق السيئة، والظلم والطغيان وقتل البشرية وإبادتهم. وهؤلاء الأمم الكبيرة الطاغية الظالمة يشعلون نار الفتن والحروب بين الأمم لأجل تضعيفها ثم السيطرة عليها وإدامة الحكم عليها، وبعد ذلك يفرضون عليهم قبول ثقافتهم وعاداتهم وقوانينهم ونحو ذلك بالأكراه والقوة. والهدف من وراء كل ذلك هو السيطرة على الثروات المالية والاقتصادية من الاستيلاء على النفط والغاز والذهب والألماس وثروات أخرى، وكذلك إيجاد سوق لبيع أسلحتهم ومصانعهم ومنتجاتهم لهذه الدُّول. ولو دققنا وبحثنا عن تاريخ هذه الأمم الطاغية، لوجدناه تاريخ أسود، أنهم عصابات قوية مسلحة نهبوا أموا الناس واستخدموها في إطاحة الحكام، وهكذا جاؤا إلى الحكم، وتاريخهم مليئة بالحروب وسلب أموال الضعفاء، وهم يقتلون ويبيدون الشعوب وحتى أنهم يبيدون شعوبهم من أجل مصالحهم الخاصة، لأنهم عصابات، فلامبادئ ولا أخلاق ولا إيمان لهم، همهم الأول استغلال الأموال واستمارها لمنافعهم.

وقد يسأل سائل لماذا أكثر الحروب تحصل في الدّول الإسلامية؟ الجواب معروف لدى جميع المسلمين، بالإضافة إلى عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية وغيرها، هناك عاملان أساسيان وهما يمنعان من حكم الأعداء على المسلمين بسهولة، وهما:

1ـ عامل خاصية الدين الاسلامي: لايمكن تطبيق الدين الإسلامي تحت رعاية وهيمنة الكفار والطّاغين، ولأن المسلمين مأمورون من قبل الله تعالى بأن يعيشوا تحت ظل القوانين الاسلامية وبوجود حاكم مؤمن عادل. فهم يردّون حكم المنافقين والظّالمين. فقال تعالى (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) الإسراء 23، (وأنِ احكمْ بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) المائدة 49. مهما ازداد مكر الأعداء فمكر الله أكبر. فقال الله تعالى في حق الظالمين (ما للظالمين من حميمٍ ولا شفيعٍ يُطاع) غافر 18 ،(ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) آل عمران 43، وآيات كثيرة. وبفضل الله تعالى الصحوة الإسلامية في كل البلدان الأسلامية منتشرة والتعاون ووحدة الصفوف تتزايد يومًا بعد يوم بين المسلمين، ونحن متفائلون لمستقبل الأمة الإسلامية المشرقة وتكوين حضارة قوية. وموعد زوال الأعداء قريب كما قال الله تعالى (إنّ موعدهم الصّبح أليس الصبح بقريب) هود 81.

2ـ عامل طبيعة الشعوب الاسلامية: فالمسلمون لا يقبلون الذّل والرّكوع والخضوع أمام الظلم والظالمين مهما كلف الأمر، لأنّ دينهم يأمرهم على ذلك (لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وأنهم يؤمنون بالله وبوعوده فلو لم يطيعوا أوامر غير الله نالوا رضاء الله ودخلوا جنته وهم خالدين فيها. ولهذه العوامل والعوامل الأخرى وقعت الحروب الصّليبية والصهيونية مع المسلمين إلى يومنا هذا.

والمسلمون عاهدوا الله تعالى على طاعة أوامره وعلى المبادئ الكريمة السامية، وعلى عدم الظلم والطغيان. فهم يؤمنون بمبدأ "إما النصر أو الشهادة".

 

أقسام الحضارات في الوقت الحاضر

 

1ـ الحضارة الغربيّة: (وتشمل القارة الأوروبيّة والأمريكيّة) كانوا متفرقين ولا يتّفقون بينهم، ودامت الحروب بين دولهم عصور عديدة. وبعد الحرب العالمية الأولى والثانية، اتفقوا على وحدة صفوفهم وأصبحوا أقوياء فحكموا العالم، فعملوا وبنوا حضارتهم ليلأ ونهارًا ووصلوا إلى ما هم فيها من الذروة.

2ـ الحضارة الشّرقيّة: (وتشمل القارة الأفريقيّة والأسيويّة، من ضمنها الصّين والهند وروسيا والدّول الإسلاميّة)، الدول الإسلامية في أسيا تتكون من الدول العربية من العراق والسعودية والاردن وسوريا، ودولة إيران والجمهوريات التركية وباكستان وأندونوسيا وماليزبا ودول أخرى. وفي أفريقيا دول كثيرة منها مصر والجزائر وليبيا وتنونس وصوماليا ونحوها. كانوا مؤمنين وأقوياء يتّفقون فيما بينهم نوعًا ما إلى نهاية القرن الثامن عشر تقريبًا، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى بداؤا يتفرقون ويتنازعون فيما بينهم على أسس قبلية ومذهبية وطائفية، وابتعدوا عن أوامر الدين الاسلامي، فلم يوحدوا صفوفهم، بل بداؤا يحاربون ويقاتلون فيما بينهم، فاستضعفوا وأصبحوا تحت هيمنة الحضارة الغربيّة بعد أن كانت لهم حضارة إسلامية كبيرة يسيطرون على ثلث العالم ويحكمون كل العالم. أما دول الصين والهند وروسيا بالرغم من كونهم شرقيين فتقدمت حضارتهم أكثر من حضارة المسلمين، يتبين أن مفهوم الدين الاسلامي قد اختلف المسلمين، عما كان في عهد الرسول والصحابة، وظنوا أن الذكر الكثير وترك الدنيا والتوكل على الله هو أفضل العبادات، ولم يعلموا أن الكسل في ترك الجهاد وعدم التعلم والسعي الكثير، مخالف لسنن الكون وسنن الاسلام في التقدم الحضاري وفي انتصار الانسان وحماية الدين والاوطان.

 

أهم الحضارت القديمة في العالم

 

1ـ الحضارة العربيّة والإسلامية التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية وبلاد الرّافدين ثم سيطرت على أسيا وافريقيا. 2ـ الحضارة التركية السومرية وحضارة الهون والحضارة السلجوقية والعثمانية التي ظهرت في أسيا والأناضول ثم سيطرت على أسيا وأفريقيا وقسم من اوروبا. 3ـ الحضارة الساسانية والفارسيّة التي ظهرت في بلاد الخليج ثم سيطرت على أسيا. 4ـ حضارة الفراعنة ووادي النيل التي ظهرت في بلاد مصر ثم سيطرت على أفريقيا ودول الخليج. 5ـ الحضارة البيزنطينية والرّومانيّة والحثيين التي ظهرت في أسيا ثم سيطرت على أوروبا الشّرقيّة. 6ـ الحضارة الإنكليزيّة التي ظهرت في أوروبا الغربيّة ثم سيطرت على أكثر الدول. 7ـ الحضارة الهنديّة "شبه القارة الهندية" التي ظهرت في جنوب أسيا وسيطرت عليها. 8ـ الحضارة الصّينيّة واليابانيّة التي ظهرت في أقصى شرق أسيا ثم سيطرت على مساحات كبيرة من الأراضي. 9ـ الحضارة الرّوسيّة ظهرت في شمالي أسيا ثم سيطرت على دول كثيرة. أنظر إلى هذه الحضارات كيف زالت عندما فضّلوا الظلم والكفر وأباحوا المنكر والفحشاء نهب أموال الناس وقتل الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ.

فلو ظهر عند المسلمين كما في السابق، حكام فطاحل مؤمنون عادلون ولهم إرادة قوية في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية، كما ظهر فيما قبل سقوط الخلافة العثمانية، وجعلهم متحدين ومتعاونين فيما بينهم. وكذلك أخلص الشّعب لأوامر حكامهم المؤمنين المنصفين، ثم اهتموا بالتكنولوجية الحديثة وبجيش مؤمن وقوي. سيمكنهم من تكوين حضارة إسلامية قوية جديدة، بإذن الله تعالى. لأن في الاسلام يوجد المقاومة والجهاد والدفاع عن الدّين الإسلامي والوطن والشرف والمبادئ السامية. ولكن كل هذا لا يوجد عند الأعداء، بل يوجد عندهم كيف يمكن لهم أن يكسبوا من الحرب أموالاً طائلة، والمؤمن يفكر بتضحية نفسه من أجل كلمة الله تعالى.

 

مميزات الحضارة الغربية والإسلامية

 

1ـ الحضارة الغربية في الأساس، حضارة صناعية تقنية، فاقدة للتقوى، توحلت إلى حضارة استكبارية باطشة، تركت الجدال بالحسنى، وجاءت للناس على متن المقاتلات والمدرعات، تمشي بينهم بالتقتيل، والتشريد، والاضطهاد، والإبادة، ويشهد لذلك الحرب العالمية الأولى، والثانية، وأخيرًا، النظام العالمي الجديد. والحضارة الغربية، من ناحية أخرى، تقوم على تمجيد العقل، والاعتماد عليه وحده، وتسعى فلسفتهم المادية، إلى تسخير الإنسان، وتعبيده للكون، وظاهر الحياة الدنيا.

2ـ أما حضارة الإسلام، فتقوم على الجمع بين التقوى والتقنية، دون تعارض أو تنافر. وتقوم الحضارة الإسلامية على التوفيق بين العقل والوحي، فليس فيها خصام، أو فصام بين الدين، والعلم، كما كان في أوربا، بل يتواءم العلم والإيمان: الإيمان القائم على العلم.. والعلم المؤمن، الداعي للإيمان. والحضارة الإسلامية، تقوم على السلام العالمي، والأمن الداخلي، كما في قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) الأنفال 61. (لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة 8. بل تتجاوز حضارة الإسلام ذلك، إلى الاتساق، والانسجام، والتوافق، والتوازن، مع نظام الكون والحياة، والإنسان، حيث أن الحقيقة الدينية في خلق الإنسان وتمام إسلامه: اعمار الكون، بالصلاح، والفلاح، بعد تسخيره له: (الله الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الجاثية.

 

الدول الإسلامية تحت الاحتلال الاستعماري

 

وهذا الاحتلال يعتبرونه جزء من مفهوم الحضارة التي يؤمنون بها، والإسلام كما نعلم يحرم الظلم ومفهوم الاحتلال وسلب الأموال بدون حق، ومن الدول المحتلة مباشرة (فلسطين، كشمير، الحبشة، دول القفقاس، دولة شيشانستان، أريتريا، صوماليا، أرناووط، مناطق تركية في اليونان "تراكيا الغرب، والجزر التركية"، مقدونيا، مناطق تركية في بلغارية "إسكوبيا، قرجالي"، جبل جولان السورية المحتل من قبل إسرائيل، فليبين، الأندلس، تركمانستان الغرب في الأراض الصينية، وقرة باغ الأذرية المحتلة من قبل الأرمن وحتى دولة العراق وأفغانستان ولبنان) أما الدول المحتلة بصورة غير مباشرة كثيرة ويمكن أن نقول تقريبًا كل الدول الإسلامية عدا عدة دول وهي معروفة عند المسلمين.

 

 

الدول المنتصرة والمنهزمة في الحرب العالمية الأولى

 

الدول المنتصرة: (إنكلترا، فرنسا، إيطاليا، النمسا، هولندا، اليونان، بلجيكا). وهم تضرروا أيضًا في الحرب والتي دامت 4 سنوات ما بين 1914 ـ 1918 . والدولة المسيتفيدة هي دولة أمريكا لأنها لم تدخل الحرب بل اشتركت عام 1917 في العدة والطائرات، بدون الجيش وبعدها بسنة انتهت الحرب. والدول أو الامبراطوريات المنهزمة: (الامبراطورية العثمانية، الامبرطورية الالمانية، الامبراطورية النمساوية (المجرية)، روسيا القيصرية، وبلغاريا).

 

الدول المنتصرة والمنهزمة في الحرب العالمية الثانية

 

الدول المنتصرة: (إنكلترا، فرنسا،الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة الأمريكية، الصين).

الدول المنهزمة: (يابان، المانيا، إيطاليا، أندونيسيا، بلجيكا، هولندا، الدول العربية قاطبة، أفريقيا، إيران، روما، المجر، بولونيا، يونان، الجمهوريات التركية الخمسة عدا جمهورية تركيا لأنها بقيت كدولة محايدة ثم اتفقت مع إنكليز). والتي استمرت ست سنوات ما بين عام 1939 ـ1945. لقد استمرت حروب دولة أمريكا إلى ما بعد الحرب، فوجه جيشه للحرب مع المانيا واليابان والفليبين وكوريا وفيتنام فهزمهم وعقد معهم معاهدات صارمة.

 

أسباب عدم تكوين المسلمين الحضارة الجديدة بعد هزيمة حضارتهم

 

من أهم هذه الأسباب تحريض أعداء المسلمين على إثارة الفتن بين المسلمين وتفرقهم إلى جماعات  ثمّ إبعادهم عن الدين الإسلامي. كما نعلم بعد هزيمة الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى من قبل الدول الغربية وبمساعدة المسلمين المنافقين المسلمين وعدم تطوير أنفسهم، انهزمت حضارت المسلمين العريقة وأصبحت لاشيء أمام الحضارات الأخرى، وإلى يومنا هذا بقوا تحت إرادة الدول الاستعمارية والسبب معروف كما ذكرت أعلاه ابتعادهم عن الدين الإسلامي والمبادىء السامية وظلم الحكام الطاغين المنافقين على شعوبهم، وسكوت الشعب عليهم فاستحقوا أمر الله كما في قول الرسول (ص) (كيفما تكونوا يولّى عليكم). (إعمل ما شئت كما تدين تدان). والسبب الأخر جاءت بسبب نظام الحكم الوراثي الذي جلبت حكام ضعفاء غير الآهلين على الحكم وأسباب أخرى كثيرة. ولأجل الحِفاظ على قوّة وتقدم وإزدهار حضارة الأمة الإسلامية علينا أن نجتهد ونسعى لأجل تعلم العلوم الإسلامية وأن نجتهد ونسعى لكي نكسب الأموال الطّائلة لأجل العيش السعيد وأن نكون من أصحاب اليد العليا لا من أصحاب اليد السّفلى، وأن نقوي الجيش ونمول الشعب بالأرزاق والعتاد والتكنولوجيا لكي يستطيعوا من الدّفاع عن أنفسهم ووطنهم وشرفهم وعزّتهم وأن نسعى من أجل رفاه وسعادة وأمن أمتنا الإسلامية والعالم أجمع. لأننا أولى بأن نكون خليفة الله في الأرض، لأننا قبلنا أخر الدّين السّماوي وقبلنا حبيب الله محمد عليه السلام أخر الأنبياء والمرسلين وفضّلهما الله على غيرهم من الأديان والأنبياء والرّسل، ولأنّ بين أيدينا دستورًا عالميًّا يدافع عن المظلومين والفقراء ويضمن حقوق كافة الناس من الرّجل والمرأة والأطفال والشّيوخ ويضمن العدالة والمساواة والحرية والأمن والاستقرار لكل البشرية.

وأخيرًا لابد من القول أن الانتصار سيكون للمسلمين لأن الله وعدهم على نصر وغلبة المسلمين وعلى حفظ هذا الدّين، إذا كانت خُلقهم القرآن ومثلهم الأعلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. أما الاستعمار والأعداء وإن تباهوا بالظلم والغدر والقتل كمبدأ سامي عندهم، ونشر حضارتهم بالسيف وبالحديد والنار، لا لا أجل العدالة والمساواة بل لأجل التسلط والحكم على المسلمين ظلمًا، سوف ينهزمون ويخسرون حضارتهم وأنفسهم في الدّنيا والأخرة لأنّ هذه سنة الله في الأرض.

ومن الأسباب الرئيسية في عدم استطاعة المسلمين من تكوين الحضارة الجديدة:

 

1ـ عدم التزامهم بالدّين السمحاء:

إنّ الله تعالى يأمرنا ويطلب منا أن نكون خُلفاء في هذا الأرض، بإلتزامنا لأوامره بشكل تام من أخلاق حسنة وتجهيز العدد والعدة . لأن الإيمان بالله وحده من دون السعي بقدر المستطاع لايمكن الانتصار كما نعلم العقيدة الإسلامية علّمنا بالتمسك بأسباب النصر، وبعدها يبشرنا الله تعالى بقوله) كم من فئةٍ قليلة غلبت فئةً كثيرة) البقرة 249.

 

2ـ عدم وجود سياسين فطاحل مؤمنين وعادلين:

لأنّ أكثرهم إمّا أُعدموا أو ماتوا أو أعتقلوا أو شرّدوا، وعند أي تقدم حضاري لبلد مسلم يعني نشأة علماء أجلاّء، ولكن الدول الغربية المّستعمرة يمكرون لهم ويهئون لهم حروب جديدة حتى لا يستطيعوا من تكوين أنفسهمو حضارتهم من جديدة.

 

3ـ عدم وعي الشّعب عمومًا في المواضيع العلمية العامة وعدم الإلتزام بالعالم الجليل:

من معرفتهم السياسة الإسلامية والسياسة العالمية، وعدم معرفتهم عن حقوق وواجبات بعضنا للبعض الآخر وواجبتنا نحو الأسرة والمجتمع والدولة، وعدم تميزنا الحاكم أو العالم الصالح من الطالح، وهكذا فقدنا كل شيء عندنا. والإلتزام بالعالم أو المُرشد أو الأستاذ يسهل فهمنا للأمور الدقيقة الهامة ويجعلنا أن لا نخطأ كثيرًا.

 

النصارى جزء من الحضارة الإسلامية

 

يجب علينا أن نعترف بشيء وهو أنّ: النصارى جزء لا يتجزّأ من الأمة العربية وهل يمكن تصوّر الحضارة العربية اليوم بدون جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وفيروز ناهيك عن الأخطل وغيرهم كثيرون حاضرا وماضيا ومستقبلا. إن الصراع اليوم ليس الصراع الخير ضدّ الشرّ بقدر ما هو صراع المنطق والمعرفة  والتحليل ضدّ التعصّب والجهل والتبسيط والتعميم  أيا كان المصدر. ونحن اليوم أمام هجوم كاسح لمثل هذا التفكير الذي يجعل من كل مسلم إسلاميا ومن كل إسلامي إرهابيا وهو موقف بذكاء قائل في السبعينيات أن كل روسي شيوعي وكل شيوعي من الخمير الحمر. وبالمقابل لا يجوز للعرب والمسلمين أن يتحدثوا عن الغرب ككل وعلينا أن نفرّق دومًا بين مستويات ثلاثة له وهي القيم والإنجازات الحضارية التي لنا الحق في الأخذ منها والأنظمة السياسية وخاصة الإدارة الأمريكية التي تدعم السفاح شارون والدكتاتوريات العربية وتخصص للديمقراطية العربية صدقة تافهة وأخيرًا وليس آخرًا المجتمعات المدنية التي هي حليفنا الأول ضدّ استبداد حكامنا ونزعة الهيمنة عند حكامهم، هذه المجتمعات المدنية التي تتظاهر ضدّ العولمة المتوحشة وضدّ الحرب المتوقعة على العراق وضدّ سياسة الابادة لشعبنا العربي في فلسطين. إن النتيجة المنطقية الوحيدة التي نستطيع استخلاصها من التاريخ  أن الحضارات البشرية في صراع وفي حوار لا يفتران، أن صراعها حوار وحوارها صراع، أن التشابك والتداخل والتبادل قانون القوانين وأن محاولة إيقاف هذا التلاقح كمحاولة التعرّض للألواح المتحركة التي تحمل القارات. إن منظروا الصراع فهم متخلفون عن واقع زمنهم وفي صراع مع ما يتطلبه الوضع الحرج لإنسانية مواجهة أكثر من أي وقت مضى بخيار مصيري هو أن ننجو معا أو أن نغرق معا لأن المركب واحد والعواصف واحدة ولا مجال لأحد أن ينجو على حساب أحد إلا لفترة تنقص مدتها باحتداد الأزمة البيئية والأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية التي يتخبّ فيها العالم . ونحن مناضلوا حقوق الإنسان العرب اخترنا أن نكون في صفّ الصراع بالحوار لأيماننا أنه ما تتطلبه منا المرحلة التاريخية غير جاهلين بأن هناك قوى أخرى تفضل الحوار بالصراع وتتأهب لإغراق العالم في حرب عقيمة بين إرهاب الدولة و إرهاب الجماعات اليائسة .[1] وحتى اليهود واليزيدون والصابئة ومن بقية الأديان والمذاهب والأقوام من ضمن الحضارة الإسلامية لأنهم يعيشون معهم ويشتركون في تطوير كافة مجالات الحياة عندهم. إلاّ أنه هناك بعض الحركات المتطرفة من الصليبية والصّهاينة يستثنون من ذلك لأنهم أعداء أزليون للمسلمين.

 

الخلاصة

 

بعد أن علمنا الفرق بين مفهوم الحضارة الغربية البعيدة كل البعد عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة، ومفهوم الحضارة الإسلامية التي فيها العدالة والمساواة لحقوق كافة الأديان، وعلمنا أيضًا أنّ العمل الانساني من ارضاء الله تعالى لا من أجل الكسب المادي. لقد علمنا أنّ الحضارة الغربية البعيدة كل البعد عن الانسانية وتتهم المسلمين بالرجعية والأرهابية جاؤا لأجل القضاء على المسلمين وعلى حضارتهم. وهذه الأخطار الحقيقية، التي تواجهنا نحن المسلمين اليوم، غير أن هذا الخطر الكائن، قد ردّنا إلى الإيمان، وأحيا فينا آمال العودة إلى فطرنا السليمة. ولو كان ، فأتا الله لبعضنا علمًا.. والإيمان بالله، هو أصل العلم. المستقبل للإسلام، ليس هو مجرد شعار نتبناه، محوطًا بالأمل والرجاء، إنما هو دين، وعقيدة..نؤمن يقينًا، ونوقن بجزم، أن المستقبل للإسلام، لأن المسلم بحكم إسلاميته، وتدينه، يؤمن بالمستقبل، وأن لكل مشكلة حلاً، ولكل مسألة جوابًا، ولكل داء دواءً، وقد قرر هذه الحقيقة كتابنا المحفوظ، وسنة نبينا المعصوم. ومهما كان ضعفنا، وتفرقنا، اليوم، فإن الله يعيننا، ويؤلف بيننا، إذا استمسكنا بعروته الوثقى، وعدنا إلى الإيمان العاصم، فنملك بهذا العلم الإيماني، إمكانية أن نهدي العالمين إلى الصراط المستقيم. ثم إننا من أجل إقامة نهضة حضارية، وتفوق ثقافي، وتقدم علمي، لنكون قوة المستقبل، التي تحمي الحق، وتدافع عنه، لابد من عمل دائب، وجهاد في هذا السبيل، وإقامة للدين، بمعانيه الشاملة والكاملة، من أنه اعتقاد، وعمل، وعبادة، وأخلاق، وآداب، وسلوك، ومعاملات، وقوانين مدنية، وجنائية.. أو شعائر وشرائع، وأسلمة لشؤون الحياة كلها، في الفرد، والمجتمع، والدولة. أن حضارة الغرب العلمانية الإنسانية السائدة رغم ثرائها المادي وجبروتها العسكري تعاني من آلام مبرّحة، إذ فقدت القوى التي أدّت إلى سيطرة هذه الحضارة قدرتَها على الاستقطاب، وها هي قوى التفكك والاضمحلال تتجاوز قوى التعاضد والتماسك، والمراسي التي ثبّتت السفينة آخذةٌ في التداعي، والقيم التي جمعت الناس معًا تعاني من الاضطراب، ولم تعد العلل مقصورة على قطاع واحد أو عدد قليل من القطاعات، بل أصبح نهر الحياة برمته ملوّثًا. لسنا يائسين والحمد لله من الوصول إلى طريق الخروج من هذه المحنة فالمسلم لا ييأس، لكن لا يمكن أن نصل إلى الدواء بدون معرفة الداء، والذي ينبع من البلاد الإسلامية نفسها، هذا الداء يمكن أن نراه في الهجوم على الإسلام في بلاد المسلمين، وملاحقة كل من يتمسك به، وكذلك الفرقة والصراعات التي أصبحت تحكم معظم علاقات الدول الإسلامية، وغياب المشروعات الكبرى، كذلك اختفاء القدوة التي من خلالها انتشر الإسلام، فالتجار المسلمون في بداية الدعوة كانوا أمناء في تعاملاتهم، صادقين في علاقاتهم الاقتصادية، يقيمون الصلاة في أوقاتها، فأسلم الكثيرون ومن خلال هذه القدوة وعن طريقها تربى الطفل ونشأ على الفضيلة والأن على عكس ذلك. بعد أن عرفنا الداء فأين الدواء؟ الدواء في توحيد كلمتهم والتمسك بدينهم وبها يمكن تحصين المجتمعات الإسلامية من التيارات الفكرية والثقافية الوافدة التي تدمر عقول الشباب وتهدم بناء المجتمع، هذا بالإضافة إلى استغلال الثروات الضخمة التي يتمتع بها العالم الإسلامي، سواء أكانت بشرية أو طبيعية أو صناعية، ورفع اليد الاستعمارية من السيطرة عليها، كما لابد أن نكون أشد حذرًا من عمليات الاستشراق التي بدأت تحت رايتين، الأولى راية الكنيسة المعادية للإسلام، والراية الأخرى هي راية الاستعمار الذي يرى أن كل ما يملكه المسلمون حلال لهم، ولذلك يلجأون للتدليس وقلب الحقائق؛ حتى يتمكنوا من تحقيق أهدافهم .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

نظام الدين إبراهيم أوعلو

 

أقدّم لكم بحث لمؤتمر عقدته مجلة البيان بقاعة الصداقة بالخرطوم يوم 17 رجب 1423 هـ الموافق  24 سبتمبر 2002.

 

صراع الحضارات ومستقبل الدعوة الاسلامية

 

أ. د. جعفر شيخ إدريس 

هيمنة الحضارة الغربية

 ما الحضارات التي يقال إنها تتصارع الآن؟

لكي نجيب عن هذا السؤال يحسن أن نتفق على ما نعنيه بكلمة الحضارة، في بحثنا هذا على الأقل. الحضارة كما نستعملها هنا هي الكلمة العربية المقابلة للكلمة الانجليزية civilization . فالحضارة بحسب ما نراه هنا مكونة من جوهر ومظهر. أما الجوهر فهو معتقداتها وقيمها وأنماط السلوك الشائعة فيها، وأما مظهرها فهو انجازاتها المادية من قوة عسكرية واقتصادية، ونظم سياسية وعمران.

الحضارة بهذا المعنى مفهوم محايد، أعني أنه لا يدل بنفسه على مدح أو ذم، شأنه في ذلك شأن عبارات الأمة، والأئمة، والخُلق والدين وغير ذلك. فالأمة قد توصف بالاستقامة أو الزيغ، والأئمة قد يكونون هداة إلى الحق أو موردين لمتبوعهم إلى النار، والخُلق قد يكون حسناَ وقد يكون سيئًا، والدين قد يكون حقًا وقد يكون باطلاً. وكذلك الحضارة قد توصف بالمادية أو الإيمانية، وبالقوة أو الضعف.

 

فما الحضارات ـ بهذا المعنى ـ التي تتصارع في عصرنا؟

لا نستطيع ـ فيما أرى ـ أن نشير في واقعنا الراهن إلى حضارة ماثلة محددة المعالم إلا حضارة واحدة هي الحضارة الغربية. وذلك أننا حين نتحدث عن الحضارة الغربية نستطيع أن نشير إلى دولٍ قائمة تتمثل فيها هذه الحضارة: فهنالك دول أوربا الغربية، والولايات المتحدة، وكندا، واستراليا ونيوزيلاندا. يجمع بين هذه الدول كونها كلها ذات نظام سياسي واحد هو الديمقراطية الليبرالية العلمانية، وأن بينها علاقات وتعاون، وأن لها تاريخًا واحدًا مشتركًا، وأن الديانة النصرانية هي أكثر الديانات انتشارًا بين شعوبها. بل إن هذه الدول لتشترك شعوبها حتى في أزياء رجالها ونسائها، وفي كثير من اذواقها الأدبية والفنية. هذه الدول في مجموعها هي أقوى دول العالم اقتصادًا، وسلاحًا، وتأثيرًا إعلاميًّا. حضارتها هذه هي الحضارة الغالبة المهيمنة على العالم.

 

هل نستطيع أن نقول مثل هذا عن أية حضارة أخرى في واقعنا الراهن؟

  كلا. نستطيع أن نشير إلى أقطارٍ أخرى إشارات سلبية بأن نقول إن حضارتها ليست غربية بالمعنى الكامل. فاليابان تشبه دول الحضارة الغربية في نظامها السياسي وفي تقدمها الاقتصادي، وتخالفها في تاريخها، وفي الدين السائد بين أهلها. وهي صديقة للغرب ومتعاونة معه لا مصارعة. وقل مثل ذلك عن الهند. أما الصين فإنها تشبه الدول الغربية من حيث نموها الاقتصادي، بيد أنها تخالفها في نظامها السياسي والاقتصادي. لكن حتى هذين النظامين ليسا بنابعين من ثقافة صينية أو تاريخ صيني وإنما هما مستوردان من فكر غربي هو الفكر الماركسي. ومجموعة الدول التي كانت تسمى بالاتحاد السوفيتي كانت متشابهة في نظامها السياسي والاقتصادي، وكانت لها قوة عسكرية ورسالة أيدُلوجية ومطامع توسعية، فكانت هي فعلا المنافسة للغرب، لكنها حتى في أوج عظمتها لم تكن تمثل حضارة متميزة. أما بعد تفكك اتحادها وسقوط نظامها السياسي والاقتصادي وذهاب بريقها الأيدلوجي، فقد صارت دولا ضعيفة تحاول أن تتأسى بدول الحضارة الغربية في أنظمتها، كما تحاول تحسين علاقاتها بتلك الدول، ولا سيما الولايات المتحدة، طمعًا في مالها وجاهها.

ماذا بقي؟ بقيت الدول الإسلامية. هل نستطيع أن نقول إنها تمثل اليوم حضارة بالمعنى الذي وصفنا به الحضارة الغربية؟ نقول آسفين: كلا. فإنه ليس لها نظام سياسي واحد إسلاميًّا كان أو غير إسلامي، وليست ملتزمة كلها بالإسلام في نظمها الاقتصادية أو التعليمية أو الإعلامية أو غيرها. وليس بينها تعاون حقيقي يذكر رغم انضمامها كلها إلى عضوية المؤتمر الإسلامي. فليس هنالك إذن حضارة إسلامية قائمة قيامًا ماديًّا يميزها تمييزًا كاملاً عن الحضارة الغربية، ودعك أن تكون في صراع معها. نعم كانت لنا في الماضي حضارة، بل كانت الحضارة الإسلامية هي الحضارة العالمية الوحيدة إلى بداية القرن السابع عشر الميلادي، حضارة اعترف بوجودها وقوتها معاصروها، ويعترف بوجودها المؤرخون والمختصون بالدراسات الإسلامية حتى من الغربيين المعادين.  وعليه فنستطيع أن نقول إنه ليس هنالك في واقع الأمر صراع بين حضارة غربية وأخرى إسلامية، لأنه لا توجد اليوم حضارة إسلامية بالمعنى الذي توجد به حضارة غربية، أو بالمعنى الذي كانت توجد به حضارة إسلامية. فما مشكلتنا مع الحضارة الغربية إذن؟ مشكلتنا أن الحضارة الغربية ليست راضية حتى بهذا القليل الذي تبقى لنا من الحضارة الإسلامية، بل تريد لنا ولغيرنا أن لا نكون عقبة في طريق مصالحها القيمية أو المادية، بل أن نكون تابعين في كل ذلك لها. ومع أنه لا توجد اليوم حضارة إسلامية، إلا أن الحضارة الغربية ذات حساسية بالغة من أية بادرة بعث لتلك الحضارة لسبب تاريخي. إن قادة الفكر الغربي لا ينسون، كما أن كثيرين منا لا ينسون، أن الحضارة الإسلامية كانت كما قلنا هي الحضارة العالمية حتى القرن السابع عشر الميلادي. استمع إلى المستشرق اليهودي برنارد لويس وهو يقول في شيء من شماتة: ظل الإسلام لقرون طويلة أعظم حضارة على وجه الأرض ـ أغنى حضارة، وأقواها، وأكثرها إبداعا في كل حقل ذي بال من حقول الجهد البشري. عسكرها، أساتذتها وتجارها كانوا يتقدمون في موقع أمامي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، ليحملوا ما رأوه الحضارة والدين للكفار البرابرة الذين كانوا يعيشون خارج حدود العالم الإسلامي.

ثم يمضي ليقول: ثم تغير كل شيء. فالمسلمون بدلا من أن يغزو الدول المسيحية ويسيطروا عليها، صاروا هم الذين تغزوهم القوى المسيحية وتسيطر عليهم. مشاعر الإحباط والغضب لما عدوه مخالفا للقانون الطبيعي والشرعي ظلت تتنامى لمدة قرون، ووصلا قمتهما في أيامنا. فقادة الحضارة الغربية يخشون على حضارتهم من كل بادرة إحياء لتلك الحضارة التي كانت سائدة. ومما يزيد من خوفهم قول المختصين منهم في التاريخ الإسلامي، إن للإسلام مقدرة عجيبة على العودة كلما هُزم.

 

ما الإجراءات التي يجب أن تتخذ لضمان عدم عودته؟

اختلفت الإجراءات في تفاصيلها بحسب الظروف العالمية، وبحسب التكتيكات الوقتية، لكن أمرين استراتيجيين اثنين لم يتغيرا، هما ضمان عدم رجوع الأمة إلى فهم صحيح للقرآن الكريم، وضمان استمرارها ضعيفة محتاجة إلى الغرب، أي ضمان عدم توفر الشرطين اللازمين لتمكين الأمة وبالتالى لحضارتها، وهما الكتاب الهادي والسيف الناصر قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25] في عهد الاحتلال المباشر لبلدان العالم الإسلامي، كان أول ما فعله المستعمرون اقصاء العلم الشرعي عن المدارس والجامعات، وحصره في دوائر ضيقة روعي أن لا يكون لها علاقة بالمجتمع ولا بالعصر. وفي هذا العهد استغلت ثروات البلاد لتغذي مصانع أوربا وتقوي اقتصادها. وبعد انتهاء عصر الاستعمار والدخول في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، انشغل الغرب بعدو ماثلٍ أكبر، فلم ير بأسًا من التعاون التكتيكي مع بعض حملة هذا الفهم الصحيح كما حدث في أفغانستان. لكن الهدف الاستراتيجي لم يُنس أبدا؛  فقد ظل الغرب الديمقراطي بقيادة الولايات المتحدة هو ـ إلى حد كبيرـ الذي يصنع الحكومات غير الديمقراطية ويدعمها، مراعاة لمصالحه، وخوفًا من أن تكون الديمقراطية ذريعة لوصول الإسلام إلى السلطة.

 

أمريكا والنظام العالمي الجديد:

وبسقوط الاتحاد السوفيتي واستتباب الأمر للحضارة الغربية، دخل العالم مرحلة جديدة، مرحلة القوة العالمية الكبرى الواحدة، التي لا تدانيها من حيث إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية والإعلامية قوة أخرى. وبدأت تظهر تبعًا لذلك معالمُ نظامٍ عالميٍ جديد، ما تزال تفاصيله محل نقاش كبير في الولايات المتحدة. لكن يمكن تلخيص اتجاهات هذا النقاش في اتجاهين كبيرين: الدعوة إلى الانفرادية، وضرورة الاستمرار في العمل ضمن الأطر العالمية السائدة.

 

الاتجاه الانفرادي:

يرى أصحاب الاتجاه الانفرادي الذي تقوده عصبة ممن يسمون بالمحافظين الجدد، أن تستبد الولايات المتحدة باتخاذ ما تراه من قرارات وسياسات تحقق مصالحها، وتنشر قيمها من غير تقيد بأعراف ولا قوانين دولية، ولا بمؤسسات عالمية كالأمم المتحدة. وهم يعتمدون في تسويغهم لهذا الرأي وتسويقه على أمرين:

أولهما: القوة الاقتصادية والعسكرية الهائلة للولايات المتحدة: التي لم تعد تدانيها فيها قوة أخرى، هذه القوة التي جعلت الجميع يعترفون بأنه لم تعد توجد الآن إلا قوة عالمية كبرى واحدة. لكن  الأعراف الدولية والقوانين العالمية السائدة حتى الآن هي ـ في رأي المحافظين الجدد ـ من مخلفات نظام عالمي قديم، اقتضتها ظروف لم يعد لها الآن وجود. ولذلك فلا جناح على الولايات المتحدة أن لا تلتزم بها مادام الأمر قد استتب لها. إن الولايات المتحدة قد بلغت من القوة شأنًا لا تدانيها فيه دولة أخرى. فميزانية وزارة الدفاع هي أكبر من مجموع ميزانيات الدول الاثنتين والعشرين التي تأتي بعدها، ويقولون إنها ستكون بحلول عام خمسة بعد الألفين أكبر من مجموع ميزانيات الدفاع في كل أنحاء العالم! وإذا كانت عادٌ قد قالت فيما مضى "من أشد منا قوة؟" فإن أمريكا تقول اليوم لا أحد أشد منا قوة في الحاضر، ولم يكن أحد أشد منا قوة في الماضي. ولكن كما قال ربنا لعاد،  نقول لمن أطغتهم القوة اليوم: "أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؟"

يقول  أصحاب هذا الرأي من المحافظين الجدد: إن على أمريكا أن تكون هي لا المنظمات العالمية، بل ولا حتى حُلفاؤها من الدول الغربية، التي تقرر ما هو حسن وما هو سيء بالنسبة للعالم، وأن تتصرف بحسب حكمها من غير التزام بقرارات يفرضها عليها غيرها. فلسان حالهم يقول "مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَشاد".  هذا لا يعني ـ كما يقولون ـ أن لا تستشير الولايات المتحدة غيرها، وأن لا تتعاون مع من يريد التعاون معها، ولكنه يعنى يصورة حاسمة أنه لا أحد له الحق الآن في أن يلزمها بما لا تلزم به نفسها. ولئن لم تفعل هذا فسيكون مثلها كمثل جلفر Gulliver الذي تقيده أقزامُ لليبوت، كما قال أحدهم.

وثانيهما: أن عامة الأمريكان يعتقدون أنهم أصحاب رسالة عالمية: رسالتهم هي رسالة الحرية، فهم لا يرون أنفسهم بأقوى الدول فقط، وإنما هم أخيرها، بل هم خير أمة عرفها التاريخ البشري، فهم بزعمهم أكثر الناس تدينا، وأشدهم استمساكا بالأخلاق الفاضلة. نظامهم السياسي كما يرون أحسن نظام، ودستورهم أحسن وثيقة كتبت في التاريخ، ونظامهم الافتصادي أنجح نظام، وقضاؤهم أعدل قضاء، ونظامهم التعليمي أرشد نظام، ونظامهم الصحي أفيد نظام، بل وسجونهم أكثر السجون إنسانية. أمريكا هي بلد الأحرار وبلد الشجعان وبلد الفرص. وعليه فإن استبدادهم بالأمر سيكون لخير البشرية " لأن الأمريكان كما قال أحد مفكريهم هم "حداة البشرية في سيرها نحو الكمال" لا يملك المرء إلا أن يذكر مرة أخرى مقالة فرعون "مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَشاد". ولهذا تجد زعماءهم السياسيين يستغلون فيهم هذه النزعة الرسالية وإن شئت فقل الحمية، حمية الجاهلية، فيحرضون شعبهم ـ ولا سيما العسكريين منهم ـ على التضحية من أجل هذه المُثل العليا، لا من أجل المصلحة الوطنية بالمعنى المحدود، لأنهم يعلمون أن الذي يحرك الإنسان هو الاعتقاد في مثل هذه المثل، لا مجرد الدفاع عن أرض أو مصلحة مادية. وقد ظهر هذا جليًّا في الخطاب الذي ألقاه الرئيس جورج بوش لخريجي كلية وست بوينت العسكرية. فمن العبارات التي جاءت في ذلك الخطاب، الذي أنصح بقراءته: أن أمريكا تدافع عن الحرية، وأن العَلَم الأمريكي حيثما رُفع فلن يكون رمزًا لقوتنا فحسب ولكن للحرية. لقد كانت أهدافنا دائمًا أكبر من مجرد الدفاع عن أنفسنا. إننا كلما حاربنا فإنما نحارب من اجل سلام عادل، سلام يختار الحرية الإنسانية. سندافع عن السلام ضد تهديدات الإرهابيين والحكام المستبدين. إننا نريد لغيرنا ما نريد لأنفسنا ـ أمن من العنف، خيرات الحرية، والأمل في حياة أحسن. إن محاربة الإرهاب تحتاج إلى صبر، ولكنها تحتاج أيضا إلى هدف خُلقي. إن أعداءنا اليوم كما كانوا أيام الحرب الباردة شموليون، يؤمنون بمبدأ القوة التي لا مكان فيها للعزة الإنسانية. لقد كان الوضوح الخُلقي ضروريًّا في انتصارنا في الحرب الباردة. يرى بعضهم أنه ليس من الدبلوماسية، وربما كان من سوء الأدب، أن نتحدث عن الحق والباطل. لكنني اَختلف معهم. نعم إن الظروف المختلفة تقتضي وسائل مختلفة لكنها لا تقتضي أخلاقًا مختلفة. إن الحقيقة الخُلقية واحدة في كل ثقافة وفي كل زمان، وفي كل مكان. إن هنالك صراعًا بين الحق والشر، وستسمى أمريكا الشر باسمه. لكن الذي يشكو منه كثير من الأمريكان أن هذا الشعور بقيمة أمريكا وتميزها بدأ يضعف جدًا في أجيال الشباب الذين هم الآن في المدارس والجامعات. فقد انتشرت بينهم انتشارًا مخيفًا فواحش الإباحية، والشذوذ الجنسي وتعاطي المخدرات، وما استتبعه ذلك من غلبة للاتجاه الفردي والسخرية بالخلق والمثل. دل استطلاع لبعض المدارس قبل جيل مضى بأن أكبر المشكلات التي يعاني منها الطلاب هي: عدم احترام الممتلكات، والكسل وعدم أداء الواجبات المنزلية، والحديث في الفصل وعدم الانتباه، التراشق بكور الورق المبلول بالبصاق، ترك المنافذ والأبواب مفتوحة. فلما أعيد ذلك الاستطلاع للمدارس نفسها قبل سنوات قليلة، كانت النتيجة أن أكبر المشكلات هي: الخوف من القتل العنيف بالبنادق أو السكاكين في المدرسة، الاغتصاب، المخدرات، الحمل، الإجهاض. ولهذا صار كثير من الأمريكان لا يرسلون أولادهم إلى المدارس العامة، بل يفضلون لهم التعليم المنزلي. وكثيرا ما يحزن المرء حين يرى مسلما حاز على البطاقة الخضراء فطار بها فرحا إلى أمريكا ليقذف بالبنين والبنات من أطفاله  في هذا المستنقع الآسن. ومع انتشار الثقافة الغربية، وضعف الوازع الديني بدأ هذا الفساد ينتشر في بلدان العالم كله، بما في ذلك بلادنا الإسلامية.

 

الاتجاه الائتلافي:

أما الاتجاه الائتلافي فلا يجادل أصحابه إخوانهم الانفراديين في كون الولايات المتحدة هي القوة العالمية الكبرى الوحيدة، ولا فيما يتميز به الشعب الأمريكي من صفات، لكنهم يرون أن الانفراد غير ممكن عمليًّا وإن أمكن فليس في مصلحة بلادهم. ومما يذكرونه في هذا الصدد: أن ما صار يوصف الآن بالنظام العالمي القديم كان إلى حد كبير من صنع الولايات المتحدة، وقد كان نظامًا ناجحًا حقق لها ما تريد فما الداعي الآن للانقلاب عليه وتقويضه؟ أن القوة الحربية للولايات المتحدة ذات علاقة وثيقة باقتصادها، واقتصادها ليس أمرًا محليًّا تستطيع أن تصنع فيه ما تشاء، بل له ارتباط كبير بالأمم الأخري. فالأسلحة لا ينتجها البنتاجون وإنما تنتجها شركات تجارية. لكن هذه الشركات تعتمد في استمرار حياتها على السوق العالمي، بل إن منتجاتها العالية التقانة لها الآن نصيب الأسد في ما يبيعه الاقتصاد الأمريكي في السوق العالمي. على سبيل المثال فإن مبيعات هذه الشركات من الحاسوبات الرفيعة في السوق العالمي تمثل نصف دخلها. أن هذا سيؤدي إلى فوضى عالمية. فإذا جاز لنا أن نبدأ بشن حرب وقائية على العراق، فلماذا لا تفعل الصين ذلك بالنسبة لتايوان، أو الهند بالنسبة لباكسان؟ وإذا أعطينا أنفسنا حق تغيير النظم، فهل سنعطيها حق الإتيان بنظم نرضى عنها؟ ماذا إذا لم يختر الناس من نريد؟ هل نعود لعصر الاحتلال؟

 

كيفية التعامل مع المسلمين

 

حوادث الحادي من سبتمبر أكدت للغرب، وللولايات المتحدة بالذات خطر الإسلام لأنه مهما قيل عن الخطأ الذي ارتكبه من قاموا بتلك العملية إلا أن الحقيقة تبقى أنهم شباب متدينون، وأنهم ابتغوا بعملهم الشهادة، وأنهم فعلوا ما فعلوا انتقامًا للمسلمين من ظلم الحضارة الغربية متمثلة في دولتها الكبرى وقائدتها. لذلك عاد الحديث جذعًا عن المواقف التي ينبغي أن تُتخذ لدرء الخطر الإسلامي. ومن المسائل التي ذكروها في ذلك.

 

المسألة الأولى: محاربة ما أسموه بالفهم الحرفي للإسلام:

ما أسموه بالفهم الحرفي للإسلام هو في رأيهم الذي يغذي عداوة المسلمين للحضارة الغربية. ومن هنا كثر الحديث عن الإسلام الراديكالي، وعن الحركة الوهابية وعن السلفية . يقولون إنه لا يمكن أن يقال للمسلمين تنكروا لدينكم، ولكن الذي يقال لهم هو أن يفهموه فهمًا لا يجعله في صدام مع مقومات الحضارة الغربية. مشكلة المسلمين المتشددين، بحسب هذا الرأي، هي أنهم رافضون للحداثة modernity التي تتطلب ـ فيما تتطلب ـ أن تكون الدولة دولة علمانية تعددية. فالمطلوب من المسلمين إذن أن يفعلوا ما فعله الغرب ليكتمل لدينهم التصالح مع هذه الحداثة كما تم للمسيحية والنصرانية.

 

وكيف يمكن أن يكون ذلك؟

أولاً: بأن لا يعتقد المسلمون أن نصوص دينهم صالحة لكل زمان ومكان بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، بل عليهم أن يتذكروا كما فعل الليبراليون من النصارى واليهود، أن هذه النصوص ذكرت في ظروف تاريخية وثقافية معينة، فلا يمكن أن تكون بحرفيتها مناسبة مع ظروف تاريخية وثقافية مختلفة عنها. ما الحل إذن؟ الحل هو أن نعيد تفسير هذه النصوص لتتناسب مع العصر، بأن نقول حتى عما يبدو أنه وصف لواقع كقصة قوم لوط إن هذا إنما كان كلامًا مجازيًّا. فلم يحدث أن دمر الله تعالى قرى أو عاقب قوما لتوجههم الجنسي. (قال أوريلى مدللا على أن القصة كانت رمزية لا حقيقية: لماذا لم يدمر الله سان فرانسسكو إذن؟).

وثانيًا: بأن يفهم المسلمون بأن الحقيقة الدينية حقيقة نسبية، لأنك إذا اعتقدت أن الحق كله معك ـ كما يعتقد المسلمون اليوم ـ فستعتقد أن مخالفيك على باطل ويستحقون لذلك أن يقتلوا، هكذا قال الرئيس السابق كلنتون في محاضرة ألقاها في جامعة جورج تاون بواشنطن بعد أحداث الحادي عشر. وهذا يعنى أن يكون الأفراد داخل الدين الواحد متسامحين مع مخالفيهم في فهم دينهم، لأن لكل إنسان الحق في أن يفهم دينه كيف شاء، وأن يرى الحقيقة من منظاره. وعلى المنتمين إلى الأديان المختلفة أن يكونوا أيضا متسامحين مع مخالفيهم معتقدين بأن كل دين يهدي إلى الحقيقة بطريقته .

وثالثًا: أن يُمنع بالقانون نشر مثل هذا الفكر وتغلق كل المؤسسات التعليمية التي تنشره، وأن يعاقب الذين يروجون له أو يمولون مؤسساته. ومما يساعد الغرب على تحقيق هذه الأهداف أن الأفكار التي تعتمد عليها قد شاعت منذ زمان بين المثقفين المسلمين، بل بين بعض الإسلاميين منهم. فقد صار الكثيرون منا جزءً من الحضارة الغربية في فكرهم وقيمهم وطموحاتهم السياسية وعاداتهم وتقاليدهم بل وأزيائهم الرجالية والنسائية، لأنهم صاروا يعتقدون أن الحضارة الغربية هي حضارة العصر التي لا يكون الناس متحضرين إلا بها.

 

المسألة الثانية: معالجة الأسباب الاجتماعية التي أدت إلى معاداة المسلمين للغرب:

يرى بعض المفكرين السياسيين الغربيين أن هنالك أوضاعًا اجتماعية وسياسية بغيضة إلى الناس في العالم العربي بالذات، وأن الغرب ـ ولا سيما الولايات المتحدة ـ هو ـ في نظرهم ـ الذي يقف وراء هذه الأوضاع الظالمة ويدعمها  فمن الطبيعي أن يكرهوه. ماذا نفعل إذن؟  يقول بعضهم: إن الحل واضح هو أن نعمل على تحويل أنظمة العالم العربي إلى انظمة ديمقراطية حقيقية يكون الحكم فيها للأغلبية، وتصان فيها الحريات، ويحارب فيها الفساد المالي. يقول الرئيس بوش في خطابه الشهير في كلية وست بوينت: عندما يأتي الأمر إلى حقوق الناس رجالا ونساء وحاجاتهم فليس هنالك صدام حضارات. إن متطلبات الحرية تصدق على أفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم الإسلامي كله. إن جماهير الناس في الأمم الإسلامية يريدون ويستحقون أن يعطوا كل الحريات والفرص التي للناس في كل أمة. وعلى حكامهم أن يستجيبوا لطموحاتهم.  يقول آخرون: لكن لا تنسوا أن أغلبية الناس في هذه البلاد كارهون لنا، وعليه فإن الحكومات التي يختارونها في النظام الديمقراطي ستكون معادية لنا. يقول أصحاب الاقتراح أولاً إن هذا الامر ربما يكون كذلك في البداية، ولكن سيظهر لهذه الحكومات أن من مصلحتها ومصلحة شعوبها أن تتعاون مع الغرب وتكون صديقة له. وثانيًا إنه ليس من الصعب علينا أن نأتي بحكومات أغلبية حقيقية تكون في الوقت نفسه صديقة لنا. هنالك وسائل كثيرة لتحقيق ذلك. هذا ما يراه بعض الساسة الأمريكان أما نتنياهو ـ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ـ فله نصيحة أخرى للولايات المتحدة. فهو ينصحها بأن تغزو العراق وتغير نظامها من غير اعتبار للأمم المتحدة، وأما بالنسبة لإيران فإنه يقول فض الله فاه إنه بإمكان الولايات المتحدة أن تُحرض على إحداث ثورة ضد النظام الإسلامي المحافظ في إيران بأن تستغل وجود الآلاف المؤلفة من الأطباق الفضائية فيها لتوجيه برامج أمريكية قذرة كتلك التي تذيعها قناة فوكس يظهر فيها شباب وشابات حسان في حالات مختلفة من حالات العري، يعيشون حياة مادية بهيجة ويمارسون الجنس بطرق إباحية. "هذه مادة هدامة. إن الأولاد في إيران سيحبون أن تكون لهم مثل تلك الملابس الجميلة التي يرونها في تلك الأفلام. سيحبون أن تكون لهم أحواض سباحة وأساليب تلك الحياة الفاتنة .

 

المسألة الثالثة:  القضية الفلسطينية  قضية العلاقة مع إسرائيل:

قضية حساسة بالنسبة لغالبية السياسيين الأمريكيين، لكن هذا لم يمنع بعضهم من أن يقول إن موقف الولايات المتحدة المنحاز لإسرائيل هو من الأسباب الرئيسة لعداوة الشعوب الإسلامية ولا سيما العربية للولايات المتحدة. وأنه ما لم تحل هذه القضية حلا يراه العرب والمسلمون منصفا فإن هذه الكراهية  ستستمر ، وسيستمر باستمرارها الإرهاب.

 

الفكر الأمريكي المعارض:

 

ما ركزنا عليه حتى الآن هو الاتجاهات الشائعة او الغالبة في أمريكا، لكن أمريكا بلد شاسع لا يسود فيه اتجاه واحد سيادة كاملة، بل ما من رأي ديني أو سياسي أو اقتصادي شائع،  إلا وله معارضون أشداء قلَّ عددهم أو كثر. وكثيراً ما تكون آراء الفئات المعارضة هذه أقرب إلى الهدي الإسلامي من غيرها. وإليك بعض الأمثلة

 ·  فمنهم من يرى كما نرى أن ما يُسمى بالفهم الحرفي للنصوص الدينية هو الفهم الصحيح الأمين لها. فنحن نوافقهم في المنهج ونستطيع لذلك أن نناقشهم في نصوص كتبهم التي نراها مجانبة للصواب، لكننا لا نستطيع أن ندخل في حوار مثمر مع من كلما ناقشته في صحة نص قال إنه مجازي وأعطاه من المعاني ما يوافق هواه.

· بل إن من هؤلاء من   يدعو كما ندعو إلى تطبيق الحدود المذكورة في العهد القديم كرجم الزاني المحصن، وقتل المرتد، حتى قال أحد الصحفيين المعارضين إذا طبقنا هذه القوانين   فسنقتل الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي!

 · ومنهم من يرى أن العلمانية هي العدو الأكبر، ومادام المسلمون يوافقوننا على ذلك فيجب أن نعدهم أصدقاء لا أعداء في مواجهة هذا  العدو.

  · ومن غير المتدينين، بل من العلمانيين من يدرس عيوب المجتمع الأمريكي دراسة علمية ممتازة، ينبغي أن يتعلم منها المسلمون المبهورون بالحياة الغربية، فالعاقل من اتعظ بغيره. من هؤلاء فوكوياما في كتابه الانفراط العظيم.

· وهنالك من ينتقد الممارسة الواقعية للديمقراطية ويرى أنها قد حادت عن المفهوم الصحيح لها. إن الكتب والدراسات في هذا المجال تعد بالمئات إن لم نقل الألوف.

· وهنالك من ينتقد الرأسمالية إما أصلا أو ممارسة.

· وهنالك من لا يداهن في نقده للسياسة الأمريكية الخارجية ولا سيما فيما يتعلق بإسرائيل.

· ثم هنالك إخواننا الدعاة المسلمون الذين يهدي الله تعالى بهم ما يقدر بخمسين شخصا في كل يوم! فإذا كانت الحضارة الغربية قد غزت العالم الإسلامي، فإن الإسلام يدخل الآن قلوب الآلاف المؤلفة ممن هم في أرضها،  لأن الناس يجدون فيه ما لا يجدون في حضارته رغم قوة سلطانها المادي ورغم سيطرتها وقوة تأثيرها على بقية بلدان العالم.

 

البعث الإسلامي الحضاري:

إذا لم تكن في الأرض اليوم حضارة إسلامية قائمة فعلاً، فإن فرص بعثها ما زالت متوفرة ومشجعة. إن المسلمين ما زالوا بحمد الله تعالى قادرين على الأوبة إلى الكتاب الهادي، وقادرين على السعي لامتلاك السيف الناصر. وذلك:

أولاً: لأن انحراف الأمة عن دينها لم يكن: وما كان له أن يكون ـ ردة كاملة عامة عن الدين الحق. فهذا دين تكفل الله تعالى بحفظ كتابه كما تكفل بحفظ العاملين من علمائه. فإذا كان الله تعالى قد قال، وقوله الحق "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فإن رسوله صلى الله عليه وسلم قد قال ـ غير ناطق عن هوى ـ لا تزالُ طائفة من أمتي ظَاهرين على الحقِ لا يَضُرُهم من خالَفهم ولا من خَذَلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون.

ثانيًا: لأنه إذا كان جوهر الحضارة ـ أو المدنية ـ وأساسها الذي يُشيَّدُ عليه بنيانها هو رسالتها، هو المعتقدات والقيم التي تستمسك وتعتز بها، فإن الجوهر والأساس الإسلامي ما يزال أقوى من منافسه العلماني الغربي. إن الإسلام يما يزال يبرهن عبر تاريخه الطويل بأنه فعلاً فطرة الله التي فطر الناس عليها. فليس على وجه الأرض دين عبر الحواجز الجغرافية والثقافات المحلية ليبقى بين المستمسكين به ـ في جملته ـ الدين الذي أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم. فكتابه هو الكتاب الذي أنزل على رسوله، وصلوات الناس هي الصلوات كانت تقام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وزكاته هي الزكاة، وحجه وصيامه هما كما كانا في أشكالهما ومواقيتهما. وبالرغم مما أضيف إلى هذا الدين من بدع إلا أنه يظل رغم ذلك أكثر الأديان احتفاظًا بحقيقته، وقد كان هذا وحده مما أغرى بعض الباحثين عن الحق بالدخول فيه.

ثالثًا: وما يزال هذا الدين يؤكد هذه الحقيقة بسرعة انتشاره المذهلة حتى في موطن الحضارة الغربية. فهم يقولون إن معدل سرعة انتشاره أكبر من معدل سرعة الزيادة في سكان العالم.

رابعًا: لأنه باعتباره دين الفطرة، ما يزال هو الدين الذي يجد الناس في آيات كتابه عِلمًا بالإله الحق الموصوف بكل صفات الكمال المُنَزَّه عن كل صفات النقص من الولد والوالد التي تطفح بها بعض الأديان، وهديًا بأنه هو وحده المستحق للعبادة الهادي إلى أنواعها وكيفياتها. ويجدون في آيات كتابه وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم عِلمًا بحقيقة أنبياء الله وما كانوا عليه من كمال بشري أهَّلَهُم لأن يكونوا الأسوة التي يتأسى بها كل سالك طريق إلى الله. لكن الأديان المحرفة تجعل من بعضهم آلهة وأنى للبشر أن يتأسى بالإله؟ وتنسب إلى بعضهم جرائم يستنكف عن ارتكابها عامة عباد الله، فأنى يكونون أسوة لغيرهم؟

خامسًا: ولأنه دين الفطرة فلا يجد الناس فيه تصادمًا بين مقتضيات العقول التي فطرهم الله عليها، ولا مخالفة لحقائق الخلق التي يشاهدونها ويجربونها. فالعقل فيه نصير الدين لا خصيمه، كما هو حاله في بعض الأديان. والعلم التجريبي يشهد له ولا يشهد عليه كما يفعل مع بعض الأديان.

سادسًا: ولأن الناس كما يجدون فيه حاجتهم إلى الإيمان الخالص والعبادة السليمة والأخلاق الحسنة فإنهم يجدون فيه هديًا لتنظيم الحياة الاجتماعية تنظيمًا يتوافق مع ذلك الإيمان وتلك العبادة وهاتيك الأخلاق، ويعبر عنها ويؤكدها ويحميها؛ فهو الدين الوحيد الذي لا يحتاج إلى علمانية تكمل نقصه، أو تتصالح معه.

سابعًا: وهو الدين الذي ما يزال يشهد لأحقيته سلوك المهتدين من ابنائه. فهؤلاء هم أكثر أهل الأرض ذكرًا وعبادةً لله، وأبعدهم عن مساخط الله، وأكثرهم بذلاً لأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، وأكثرهم رحمةً بصغير وتوقيرًا لكبير وصلةً لرحم.  وقد اعترف بهذه الحقيقة حتى بعض علماءِ النصارى، ومن أعجبهم بيتر كريفت أستاذ الفلسفة بكلية بوستن، الذي يحث إخوانه النصارى على أن يعدوا المسلمين أصدقاء وأعوانا لهم في حربهم ضد العلمانية التي يرى فيها العدو اللدود للدين والخطر الأكبر على الحياة الاجتماعية. يقول هذا الرجل: لماذا ينتشر الإسلام بهذه السرعة المذهلة؟ سيسارع علماء الاجتماع وعلماء النفس والمؤرخون والاقتصاديون والديمغرافيون والسياسيون إلى تفسير ذلك النمو تفسيرا  دنيويا كل بحسب تخصصه. لكن الإجابة بدهية لكل مسيحي ذي صلة بالكتاب المقدس: إن الله تعالى يفي بوعده، ويبارك أولئك الذين يطيعون أوامره ويخشونه، ويعاقب الذين لا يفعلون ذلك. إن الأمر في غاية من البساطة التي يعسر على الأساتذة الأكاديميين رؤيتها: قارن بين كميات الإجهاض، وزنا المحصنين وغير المحصنين والشذوذ بين المسلمين والنصارى. ثم قارن بين كمية العبادة.

ثامنًا: ولأن كثيرًا من الناس في الغرب بدؤوا يشعرون بالخطر الذي تسوقهم إليه الحياة العلمانية المجردة عن الدين، خطر تمكينها للاتجاه الفردي في الناس، وإضعافها للوازع الخلقي، وعبادتها للجنس، وتحويلها الحياة إلى جهد لا معنى له ولا غاية. كل هذا يسبب للناس أنواعًا من الشقاء الروحي، فذهب الكثيرون منهم يبحثون عن دين ينقذهم فلم يجد كثير ممن عرف الإسلام منهم أكثر منه إجابة لمطالبهم الروحية والخلقية بالطريقة التي أشرنا إليها سابقًا. وعليه فإذا كانت الحضارة الغربية قد غزت بلادنا فكريًّا وخلقيًّا وجعلت جزءً من الصراع بيننا وبينها صراعًا على أرضنا، وبيننا وبين أقوامنا، فإن الإسلام الآن يفعل الشيء نفسه، إنه يغزو أرض الحضارة الغربية ويجعل الصراع بينه وبينها صراعًا على أرضها وبينها وبين من كانوا بالأمس حماتها المدافعين عن حياضها. تلك بعض فرص الدعوة إلى الإسلام وإلى بعث حضارته، وهنالك وسائل كثيرة لاستغلال هذه الفرص، لكنني لا أريد الآن الدخول في تفاصيلها، ولا في تفاصيل السعي لامتلاك السيف الناصر، فلتفاصيل كل ذلك مجال آخر. وإنما أريد أن أختم هذه المقالة بالتذكير بقواعد للعمل الإسلامي لما أرى من خطورتها ومن عدم الاهتمام الشديد بها. وهي:

أولاً: أن أمر العودة للإسلام وحضارته ليس بالحمل الخفيف الذي يمكن أن ينهض به أفراد، أو تقوم به جماعة واحدة أو دولة واحدة، وإنما هو عبءٌ ثقيلٌ يجب أن تتضافر على حمله الجهود. لذلك لا بد أن يقنع كل فرد عامل للإسلام وكل جماعة وكل دولة بأن التعاون بين الساعين لتحقيق هذا الهدف أمر لازم، وأن التشاور فيما بينهم أول خطوات ذلك التعاون، ثم يأتي التنسيق وتوزيع المهام.

ثانيًا: وإذا كان التعاون أمرًا لازمًا فيجب أن يكون السعي لبعث الحضارة الإسلامية أبعد شيء عن الحزبية. إن بعض الناس يخلط بين العمل الجماعي المنظم ـ وهو أمر لا بد منه ـ وبين الحزبية التي تحول التنظيم إلى غاية كثيرًا ما يُضحى في سبيلها بالغاية التي أُنشئ من أجلها والتي كان في البداية مجرد وسيلة إليها. الحزبية أن تحصر علاقات الأخوة الإسلامية وواجباتها في من دخلوا ضمن إطار التنظيم، وأن لا يعان على عمل خير بل ولا يعترف به إلا إذا كان من منجزات الجماعة المنظمة.

ثالثًا: الالتزام الصارم الشديد بقيم العدل والصدق والأمانة والوفاء حتى في معاملة الأعداء. لأن هذه القيم قيم مطلقة لا تختص بحال دون حال. قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا). (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

قال المفسر الكبير ابن كثير: إن العدل واجب على كل أحد، مع كل أحد، في كل حال؟ لكن بعض العاملين للإسلام اليوم يحيدون عن هذه القيم لأوهي الأسباب، ويسلكون سلوك السياسيين الميكيافليين. ناسين أن هذه القيم قيم يحبها الله، وأن الالتزام بها ـ حتى مع الأعداء ـ عبادة لله. وأنك لا يمكن أن تنصر دين الله بارتكاب مساخط الله.

رابعًا: على الأفراد وعلى الجماعات غير الحكومية أن تلتزم التزامًا معلنًا وصارمًا بالطرق السلمية. هذا هو الذي يدل عليه شرع الله، وهو الذي ينتهي إليه كل من اتعظ بالتجارب المريرة للجماعات التي دخلت في صراعات دموية لم تكن لها بكفء. إنك لا تحمل السلاح على من أنت تحت سلطانه، وإنما الذي يشرع لك هو الدعوة مع كف الايدي وإقامة الصلاة، فإذا كانت لك أرض مستقلة وقوة مادية فآنذاك: أذن للدين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. اللَّهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. استغفر الله، وأصلى وأسلم على خاتم رسل الله.

نظام الدين إبراهيم أوغلو ـ تركيا

   

 

Web Siteme Hoş Geldiniz!

اهلاً وسهلاً لزيارتكم موقعنا

 

Copyright ©2006
Nizamettin İBRAHİMOĞLU