Ana sayfa Özgeçmiş Arapça Öğreniyorum Arapça Alıştırmalar İletişim

 
    Ana sayfa > Arapça Makale ve Araştırmalar > Kur'an-ı Kerim Bütün Zaman ve Mekanlara İdeal Bir Kitaptır





 
 

 

 

القرآن الكريم صالح لكلّ زمان ومكان

لأنّه يجدد نفسه ليلائم العصر

 

د. نظام الدين إبراهيم اوغلو

باحث أكاديمي تركماني ـ تركيا

e.mail. nizameddin955@hotmail.com

 

القرآن وحقيقة الدين الإسلامي:

 

تعريف القرآن الكريم لغة واصطلاحاً: لغة: المشهور بين علماء اللغة: "أن لفظ القرآن في الأصل مصدر مشتق من قرأ "يقال قرأ قراءة وقرآناً، ومنه قوله تعالى: (إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه). ثم نقل لفظ القرآن من المصدرية وجعل علماً. قال الزرقاني في كتابه) مناهل العرفان: "أما لفظ القرآن فهو في اللغة مصدر مرادف للقراءة ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسماً للكلام المعجز المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من باب إطلاق المصدر على مفعوله، ذلك مما نختاره استناداً إلى موارد اللغة وقوانين الاشتقاق وإليه ذهب اللحياني وجماعة.

اصطلاحاً: وأما تعريف القرآن اصطلاحاً فقد تعددت آراء العلماء فيه وذلك بسبب تعدد الزوايا التي ينظر العلماء منها إلى القرآن . فقيل: " القرآن هو كلام الله المنزل على سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته المعجز ولو بسورة منه "وقيل: "هو كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد (ص) بلفظه ومعناه والمنقول إلينا بالتواتر".

العلماء الفقهاء والمجتهدون والمفكّرون الصّالحون متفقون على نزول القرآن من قبل الله تعالى لنبينا محمد (ص) للعالمين جميعًا، وحتى الأنبياء والرسل السابقة كانوا يعلمون بمجيئ النبي محمد (ص) وسوف يكون خاتم الأنبياء والرّسل، ورسالته عالمية لجميع البشرية. ونحن نقول أن القرآن الكريم كتاب إلهي عالمي شامل ومتكامل ينظم العلاقات النفسية والاجتماعية والتربوية بين الأفراد والأسرة والدّولة، بالاضافة إلى أنه يعالج القضايا القانونية والسياسية والاقتصادية بين  الناس ونحو ذلك. لأن القرآن الكريم كما نعلم كتاب قديم بصفته كلام الله القديم، منقور في اللوح المحفوظ في السماء العليا كما قال أهل السنة والجماعة. أنزله الله من السماء وحيًا على النبي محمد بواسطة ملاك اسمه جبريل. وهذا يعني أن الله هو الناطق الأول للنص القرآني وأن جبريل وسيط في نقل كلام لله هذا إلى الرسول محمد الذي كان عليه بدورة نقل هذه الرسالة للبشر. وقال المعتزلة بخلق القرآن وأنه محدث في قدم النص القرآني وحداثته وإن كان قديما بصفته كلام الله القديم.

والقرآن الكريم معجزة النبي محمد (ص) ومن أبرز معجزاته أنه صالح لكل زمان ومكان بسبب قابلية تأويله وتجديد أحكامه الشرعية والاجتماعية. وهنا يمكن لنا أن نقول أن القرآن ليس محصورًا على قومية ما ولا لجماعة من العلماء والفقهاء ولا لزمن معين ولا لدولة محدَدة. أما عن أسباب نزوله على العرب ولمحمد عليه الصلاّة والسلام، لها دلالات وحكم إلهية كثيرة، مثل نزول الكتب السماوية الأخرى وحتى الصحف، لأنبياء القوميات الأخرى وعلى لسان ذلك اللغة. ونحن كمسلمين لا نفرق بين الأنبياء والرّسل وكلهم أخوة لأنهم أبماء آدم وحواء وأخوة في الدين والتوحيد.

وتجديد الدّين الاسلامي من قبل علماء وفقهاء مسلمون وصادقون من متطلبات الدين الإسلامي سواء في علم الفقه وأصول الفقه وعلوم السنة وعلم التفسير وعلم العقيدة ويشمل في التجديد في علم العقيدة أي تخليص وتنقية العقيدة من الآثار السلبية لأنا فيه نصوص ثابتة. وسبب التجديد لأجل تسهيل أمور دين المسلمين في العصور التي يعيشونها. والعلماء سواء بفتواهم أو في تفسيراتهم للقرآن يساهمون في تطوير وتجديد دينهم. فمثلاً نجد في عصرنا الحالي أربعة أنواع من التفاسير وهي: التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور والتفسير الحديث والتفسير العلمي، ولا بأس في هذه التفاسير إذا كانت النية خالصة لوجه الله تعالى.

وهناك مقولة جديدة طرحت في عصرنا الحاضر، وهو قول الأعداء والعلمانيين والمتطرفين من المسلمين، وهؤلاء يطرحون بين حين وأخر أفكار غير اسلامية من أجل زعزعزة الشريعة الاسلامية في قلوب المسلمين وتفريق صفوفهم ونشر الفتن بين المسلمين، ومن مقولتهم للقرآن الكريم أنّ القرآن كتاب تاريخ كتبه الرسول محمد (ص)، وقد استفاد من كتب الأديان السّماوية. وفي مقولتهم الثانية يقولون أنّ القرآن تاريخية أو تاريخانيّة نصوص القرآن الكريم يجب أن يتغير حسب الزمان والمكان ليُلائم العصر، كما في تغير كتاب النّصارى. ونحن نقول لا فرق بين الاصطلاحين من حيث المبدأ، فكلاهما يريدان أن يقولا أن القرآن الكريم نزل لحادثة معينة قديمة، فلا يمكن تطبيقها في زمننا هذا مثل أحكام الجهاد والرّبا وأحكام قطع اليد وحكم القاتل يقتل وغيرها من الأحكام. ونحن نقول لهؤلاء يمكن أن يُدوّن أحكام القرآن الكريم وكيف أنها طبقت كشريعة اسلامية لعصور متعاقبة، وكيف أنه مرّ على تجديد من قبل علماء العصر لتلائم العصر، وأنهم دونوا أحداث أسباب نزول الآيات، وكذلك وجود القصص التاريخية والعلمية بالإضافة إلى المواضيع العقائدية، وكل هذا لايعني أن القرآن كتاب علم التاريخ  وكتاب مادي تاريخي كتب من قبل محمد عليه الصلاة والسلام. ثم لا يعني أنه مثل كتاب النصارى خاضعة للتاريخ وبذلك يتغير ويتطور حسب الزمان والمكان. ونقول لهم كذلك أن القرآن الكريم ليس تاريخية (تاريخانية)، بل أنه كلام منزل من قبل الله تعالى فلا يقبل التّغير أو الاجتهاد في مواضيع عقائدية التي فيها نصوص صريحة، بل يجوز الاجتهاد والتجديد في المواضيع الفرعية التي تهم مصالح المسلمين في العصر الذي يعيشون فيه.

ونحن نرفض قول محمد أركون الذي أسرد بعض أطروحاته التي يغني عرضها عن ردها.. يقول بأن "الإسلام كبقية الأديان في الخضوع للتاريخية التي خضعت لها المسيحية؛ إذ إن الإسلام لا يختلف عن المسيحية (يقصد النصرانية) في كونه يقع ضمن الإطار المعرفي للقرون الوسطى..". ويضيف بقوله: "إنه نتاج الممارسة التاريخية للبشر، وبالتالي فهو يتطور ويتغير، إنه يخضع للتاريخية مثله مثل أي شيء على وجه الأرض، إنه ناتج عن الممارسة التاريخية لفاعلين اجتماعيين شديدي التنوع.. كما أنه ناتج عن فعل الشروط التاريخية التعقيد عبر الزمان والمكان.

وكل هذه النقاشات والاختلافات جاءت بعد سقوط الخلافة العثمانية، وبعد أن فقد المسلمون مفهوم الأمة الاسلامية ومفهوم خليفة المسلمين ومفهوم حجة الاسلام وشيخ الاسلام. فظهرت في عصرنا الحاضر بعض الاتجاهات العصرية الفردية، جل اهتماماتهم في تطويع الإسلام للمبادئ الغربية، ووصم كل ما لا يتماشى معها بأنه فهم خاطئ للإسلام! كما حمل التاريخيون في هذا العصر لواءَ التشكيك في تجديدية القرآن، وأجلبوا عليه بخيلِ شبههم التاريخية وبرَجِل المذاهب الإلحادية الغربية والمدارس الفكرية الحداثية لزحزحة المسلمين عن اعتقاد صلاحية كتاب الله لكل زمان ومكان!، غير أنهم لم يظفروا بطائل، وكانت الأئمة لهم بالمرصاد.

 

ما هو المنهج (التاريخاني)؟

 

المنهج (التاريخاني) الذي يرى أن تفسير النص يجب أن يكون مرهوناً بتاريخه، ويجب أن يكون ساكناً هناك لحظة ميلاده، فلا يمكن فصل أي نص عن تاريخه. هذا المنهج يصدر عن نزعة مادية وضعية لا تؤمن بأن الأديان من عند الله تعالى، ويراها إنشاء إنسانيًّا، وذلك لأن الإنسان يتحكم به التاريخ تحكمًا كاملاً، والله مطلق منزه عن ذلك. حاول البعض بناءً على مقولة "المنهج التاريخاني" إلصاق النص بالتاريخ لتسويغ التخلي عنه الآن، وبالرغم من أن محمد أركون الجزائري كان سباقاً منذ الثمانينيات إلى هذا المنهج، إلا أن الذي اشتهر به هو (نصر حامد أبو زيد) بسبب قضية طلاق زوجته في المحاكم المصرية بتهمة الارتداد عن الدين، لاعتناقه هذه الفكرة في منتصف التسعينيات. وبينما كان محمد أركون يصدر كتب عن عقيدة علمانية ليبرالية، كان نصر حامد أبو زيد يصدر كتب عن عقيدة ماركسية. وفي كلا الحالتين هم يردون من المنهج التاريخي تأمين انسلاخ جماعي للمسلمين من كتابهم الكريم، من أجل تسليمهم للوضعيَّة، والدخول في الحداثة الغربية المادية بحسن نيّة أو بسوئها. ويبقى أن تجربة المناهج الغربية في تأويل القرآن الكريم الفاسدة؛ بسبب الخلفيات الاعتقادية التي جعلت من تلك المناهج مجرّد أدوات مهووسة بعقائد العلمانية المتطرفة!. ولما كان القرآن الكريم رسالة عالمية وشاملة يخاطب جميع البشرية وعلى اختلاف ألسنتهم، وأعراقهم وألوانهم..  وفي كل عصر وزمان، فيلزم أن تتجدد دراسته وبيانه حسب حاجات الإنسان فلم يترك القرآن حاجة من حاجات الإنسان العظيمة أو اليسيرة إلا وعالجها بلا نقص، وفي أتم الكمال[1].

والقرآن الكريم جاء مكملاً لشرائع الأنبياء اولأديان السابقة، لهذا نجد فيه كلمات واصطلاحات سريانية وعبرانية وعربية وحتى من اللغات الفارسية والتركية، وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدل على أن القرآن كتاب عالمي نزل بالتدريج على الانبياء والرسل ابتداء من أبينا آدم (ع). قال الله تعالى (علم آدم الأسماء كلها) علمه أسماء الأشياء والعلوم.

وقد يسأل سائل لماذا اختلفت اللغات وحتى اللهجات؟ هذا شيء طبيعي، لقد كثرة أفراد الدنيا فكونوا قبائل وشعوب وأمم كثيرة، وتوسعت أماكنهم، فلم يستطيعوا أن يروا بعضهم، وكذلك صعوبة التدوين وعدم وجود الكتب والطباعة، وعند التطور وتتغر لغة الأفراد بسبب دخول كلمات جديدة، أما عن سبب عدم اختلاف اللغة العربية، فالقرآن الكريم عامل أساسي في حفظ القرآن ومعه اللغة العربية، قال الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذّكر وإنّا له لحافظون).

والإسلام شدّد في التجديد والتفسير إلى العصبية القومية والقبلية، من أجل أن لا يفسّر ولا يؤول الآيات أو يعطى فتوى من أجل صالح مجموعة معينة من الشعوب ودخول الفتن ثم إظهار النزعات بينهم، فقال تعالى (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [2]، (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)[3]، وقال: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)[4]. فالاختلاف آية من آيات الله، ولكن التعصب بما يغضب عليها الله تعالى. فقال نبينا محمد (ص) (لا فرق بين عربي وأعجمي ولا بين أبيض و أسود إلاّ بالتقوى). ولكن هناك من المتعصبين والمنافقين ينكرون بعض آيات الله تعالى أو يفسرونها حسب منافع قبيلتهم وعلمائهم ومزاج رؤسائهم وحكامهم، لذا نرى تفاسير العهد الأموي غير التفاسير في العهد العباسي والفاطمي وتفاسير هؤلاء غير التفاسير السلجوقي والعثماني ولاتزال التفاسير خاضعة لسياسة الدّول. نحن لانعترض على التجديد والاجتهاد في القرآن الكريم في كل عصر، وإنما نعترض على اقتصار التفاسير والفقه لمجموعة من الشعوب، أو لسياسة الحاكم الطاغي، من دون أن تُكتب لمصالح الشعوب الاسلامية ومن دون رعاية الأحكام الاسلامية. فإذا ما طبقنا الأحكام كما أرادها الله تعالى حينذاك نحصل على العدالة والمساواة والحرية والسّعادة والآمان والرّفاه الاقتصادي والتّطور الحضاري.

 

المُبدع والبِدعة:

 

المُبدع: تعريفه لغة: بدع الشيء اخترعه وصنعه وأبدع الشيء أنشأه، والبِدْعُ جمعه الإبداعُ المُحدث الجديد، والبديع من أسماء الله الحسنى. وقد ورد في القرآن الكريم (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ). وقوله تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) قيل معناه مبدعًا. وقد أبدع كافة الأنبياء في أمور حياتهم فجلبوا الشيء الجديد لشعبهم وأمتهم ونبيا محمد عليه الصلاة والسلام من أكبر المبدعين فقد حول أكثر العادات الجاهلية الظّالة إلى حقائق إلهية مهتدية، ويمكن أن نقول أنّ المبدع الحقيقي هو من يحول أفكاره الجديدة الغير المعروفة عند الأخرين الى انجازات غير مسبوقة.

وللمبدعين مميزات عديدة: منها:

1ـ قوة العقل والفكر والذكاء: لأن باستعمال القدرة العقلية في العمل أو الدراسات والفنون تظهر البِدْعُ والإبداعُ.

 2ـ الدقّة والإتقان في العمل: وهما يحتاجان إلى صبر وإلى وقت كاف حتى يخرج العمل الإبداعي بشكل جيد.

3ـ الاستيعاب والإحاطة للعمل الذي يبدع به: و أن يدرس الأشياء من حوله دراسة كلية لا تدع شيئًا منها يفوته. فبغير الإحاطة لا يتأتى له أن يتقن عمله.

4 ـ الوضوح دون الغموض والتعقيد في العمل: فلكلّ عمل إبداعي رسالة يريد إيصالها إلى المتلقّي، وإذا تعذّر استقبالها منه انتفت الغاية من العمل.

5ـ إعجاب الناس ودهشتهم للعمل: إذا لم يتوفر عملٌ ما على صفة التعجب والحيرة، فلا يقال له بأنّه عمل مبدع. وهذه الصفة هي التي تميِّز عملاً عن عمل، ومدى إبداعية كل منهما، ولولا الإعجاب لكانت العلوم والتقنيات وقصائد الشعر والروايات الأدبية والأعمال السينمائية واللوحات وغيرها، نسخًا متكررة لا تجتذب جمهورًا، ولا تلقى أهمية، ولا تحظى بالاستمرار والخلود.

6ـ ويمكن أن نضيف على ذلك انسانية العمل المبدع وعدم إساءته لأوامر الإسلام: حينما تقرأ سيرة

لمصلح أو داعية أو رواية أدبية عالميّة، أو مقالاً معبِّرًا عما يعتمل في ذهنك، أو تجد الشفاء في دواء فعّال، أو تتأمّل في شخصيّة معلِّم أثر في نفسك عميقًا. تجد إلى جانب صدقه وتفاعله واتقانه لعمله وإحاطته به، أن عمله ليس ناطقًا عن شخصيّته فحسب، بل هو ناطق باسمك وباسم الإنسانية أيضًا. وما من عمل إبداعي إلاّ ويمتلك هذه الصفة. أي أنّ انسانيته هي التي تؤهله لعالميته ولخلوده وتجدّده، ولتعاطي الأجيال معه وكأنّه ابن عصره، ومثل هذه الشّخصيات لا بد من أن يأخذوا التربية الدينية الصحيحة.

البِدعة: في اللغة فقد عرف ابن منظور في لسان العرب البدعة بقوله:  والبدعة الحدث وما ابتدع في الدين بعد الإكمال، ابن السكيت: البدعة كل محدثة، إلى أن قال: وفلان بِدْع في هذا الأمر أي أول لم يسبقه أحد. وشرعًا عرفها الإمام الشاطبي في الاعتصام بقوله: فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها التقرب إلى الله تعالى. وأبدعَ وإبتدعَ الشيء، أي أضاف أمورًا جديدة للعقيدة الإسلامية وأحدث شيئًا تخالف الدّينوفيه ضرر للمسلمين أو الناس أجمعين، ولهذا حرّمها الإسلام.  قوله صلى الله عليه وسلم حول البدعة: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) رواه النسائي. وهناك من قسم البدعة إلى قسمين بدعة حسنة وسيئة، الله أعلم البدعة الحسنة تدخل من ضمن الإبداع وله فائدة للمسلمين.

 

باب الاجتهاد من أجل التجديد والتطوير لم يغلق بل غلّق:

 

يقول العلامة الشيخ القرضاوي: لا يكاد يختلف اثنان من أهل العلم والفكر اليوم في ضرورة الاجتهاد وأهميته لحياتنا الإسلامية المعاصرة وتجديد فقهنا بما يجعله قادرا على علاج مشكلاتنا المتجددة من طب الشريعة الرحبة.

ولكن بعض أهل العلم يخافون أن يدخل من هذا الباب ـ إذا فتح ـ الأدعياء والطفيليون الذين يلبسون لبوس العلماء ويحملون ألقابهم الفخمة وليسوا من العلم في قليل ولا كثير.

ومثلهم الخطافون المتعجلون الجرآء الذين يسارعون إلى الفتوى في أعوص المسائل، وأعمق القضايا، دون أن يجهدوا أنفسهم في البحث والتنقيب، والمراجعة والمشاورة مع أهل الذكر، فجوابهم حاضر لكل سؤال، وفتواهم (جاهزة) لكل قضية، لو عرضتها على عمر لجمع لها المهاجرين والأنصار!

وأخطر منهم أدعياء التطور الذين يريدون أن يدخلوا على الحياة الإسلامية، ما هو غريب عن فطرتها وقيمها وشريعتها بدعوى الاجتهاد في الشرع، وهي أبعد ما يكون عن شرع الله نصا وروحا.

وشر منهم الذين وظفوا علمهم للسلطان، وباعوا دينهم بدنيا غيرهم ممن أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمره فرطا.

والعلم إذا غدا تابعا للهوى لم يعد علما، بل ينقلب جهلا وضلالا (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله؟) سورة الجاثية، 23. ولعل مثل هذه التخوفات هي التي جعلت جماعة من العلماء في العصور المتأخرة ينادون بسد باب الاجتهاد ليقطعوا الطريق على هؤلاء وأمثالهم، على اعتبار أن هذا من باب "سد الذرائع" المقرر شرعا. ولكن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها يترتب عليها ضرر كبير، وشر مستطير. والواجب هو الوقوف عند خط الاعتدال الذي أوقفنا الله تعالى عنده (تلك حدود الله فلا تعتدوها) سورة البقرة، 229. والحق أننا لو حاولنا سد باب الاجتهاد ـ خوفا من الأدعياء المتطفلين، أو من المتعجلين المغرورين، أو مفتي السلاطين أو المهزومين فكريا ونفسيا أمام الغازين ـ لم نعالج المشكلة من جذورها، لأن هذا إن سد الباب على أدعياء الاجتهاد المتطفلين عليه، وغير المتأهلين له، فهو في الوقت ذاته يحرم أهله القادرين عليه من ممارسة حقهم الشرعي في الاجتهاد، كما أمر الله ورسوله، وهذا ينتهي بغلبة المقلدين الجامدين، واختفاء المجتهدين المتنورين، وباختفاء هؤلاء وظهور أولئك تجمد الحياة، ويتوقف الفكر، ويتخلف المسلمون، وتتعثر حركة الإسلام. على أن عصرنا لم يعد قابلا لدعوى إغلاق باب الاجتهاد، ولا عاد هذا ممكنا لو أردناه، فإن حرية القول باللسان والقلم، وحرية الإذاعة والنشر ـ وخصوصا فيما لا علاقة له بالسياسة ـ متاحة وميسورة، ولاسيما من كان له نفوذ مادي أو أدبي. ومن هنا كثر الذين يدعون الاجتهاد، كليا أو جزئيا، وسيكثرون بعد شئنا أم أبينا، اعترفنا بهم أم لم نعترف، بل ربما كان صوت الأدعياء أعلى من صوت المؤهلين بحق للاجتهاد. لهذا كان الأولى أن نحدد الاتجاه الصحيح الذي نؤيده، ونرحب به من بين اتجاهات الاجتهاد المعاصر، ومدارسه، نضع له المنهج القويم الذي يحكمه، ونوضح المعالم والضوابط التي تنظم سيره، وتحدد غايته وتضبط طريقه، فلا يغلو مع الغالين، ولا يقصر مع المقصرين. بل يحرص على المنهج الوسط للأمة الوسط. ومن ثم يحسن بنا أن نلقي شعاعا من الضوء على اتجاهات الاجتهاد المعاصرة لنتبين من عرضها الاتجاه الذي نقبله وندعو إليه، ونرفض ما سواه.

 

أراء الفقهاء حول الاجتهاد:

 

1ـ إن باب الاجتهاد لم يغلق قديمًا، ولكنه "أنغلق" لما أشاعه الاجتهاد من بلبلة، ولانعدام "التنهيج" والتنظيم مما أدى إلى غلبة المذاهب المتبعة واندثار الاجتهاد تدريجياً، والدعوة لفتح باب الاجتهاد يجب أن تقترن بتنظيم منهجى يختلف تماماً عن الصورة التقليدية القديمة له .

2ـ أراد الفقهاء للاجتهاد أن يكون نوعاً من القياس وأن يربطوه بـ "العلة" بحيث يكون مُظهراً للحكم لا منشئاً له، ومن ثم فإنه لا يكون اجتهاداً كما يوحى به كلمة معاذ "أجتهد رأيى ولا ألو" .

3ـ طبقاً لهذا المنهج، قال الفقهاء: "لا اجتهاد مع النص"، ولكن التقصى الفعلى لطرق التوصل إلى الأحكام أو تفسير القرآن يوضح أن معركة الاجتهاد الحقيقية إنما كانت مع النص وحوله، فكائناً ما كانت درجة وضوح النص، فلابد فى النهاية من إعمال الفكر .

وما شاب هذا الاجتهاد هو عوامل طارئة مثل تأثير الإسرائيليات التى غلبت على التفسير، والعجز عن رتق الخرق فى الحديث بالنسبة لتأخر تدوينه، والخضوع لبعض قواعد النحو واللغة والمنطق اليونانى، وأخيراً روح العصر التى لابد أن يكون لها تأثير ظاهر أو كامن على الفقهاء، وهى كلها عوامل عارضة يفترض ألا تبقى وألا تواصل تأثيرها على الاجتهاد فى هذا العصر .

4ـ مع انتفاء العوامل السابقة التى أوقفت الاجتهاد قديماً، وانفتاح الأسباب والوسائل فى العصر الحديث. فإن همة الفقهاء المعاصرين لم تتسامى إلى اجتهاد، وقصارى ما حاولوه هو تنهيج التراث الفقهى واختيار الأفضل. كأنما انغلق إلى الأبد الاجتهاد والإبداع. وتجمد الفقه الإسلامى فى العصر الذى تتدفق فيه المعلومات والمعارف ويجتاز العالم ثورة معرفية ..

5ـ إن الصورة المثلى لتنهيج اليوم هى تكوين مجامع – تجمع الفقهاء جنباً إلى جنب الخبراء والفنيين لما أشرنا إليه من مبررات ولأن هذا يحقق الاجتهاد بالشورى . ونحن نقول أن باب الاجتهاد لم ينته ولم يغلق كما يدّعي بعض المتخلفين من المسلمين ولابد أن تستمر إلى يوم القيامة. فالرسول عليه الصلاة والسّلام جدد للمجتعات القديمة حياتهم وجعلها في اطار الدين الاسلامي الجديد، ودخل في كافة حياتهم وأعمالهم وتصرفاتهم وهكذا أسسوا حضارات قوية في عصور عديدة. ولكن أعداء الاسلام بجبروتهم وطغاتهم وبمساعدة المنافقين من المسلمين تكنوا من إغلاق باب الاجتهاد لفترة طويلة من الزمن. وهم ارادوا تعكير عقول المسلمين فظهر باحثين وعلماء يحللون على عدم صحة القرآن الكريم والأحاديث وهما غير صالحان لزماننا وعصرنا الحاضر، وأنّ العلوم الغير الاسلامية شيطانية ولا يمكن تعلمها والتّجديد والتجديد والتطوير العلمي والتقني محرم في الإسلام. وحتى أنهم لم يكتفوا بذلك بل شردوا علماءهم ومثقفيهم واباحوا التبرج على نساءهم، ومنعوا الشباب من صلاة جماعة في المساجد ومنعوا فتح دورات تحفيظ القرآن وتعليم الدّين الإسلامي كما أراده الدين الإسلامي. وسعوا إلى تشجيع الفساد الأخلاقي فكثروا من فتح أماكن شرب الخمور والفحش والدعارة والقمار ونحو ذلك وسكت أو رضي قسم من العلماء المنافقين على كل هذه المحرمات. وأخيرًا خططوا ودبروا الفتن لأجل إشعال نار التعصب القومي والمذهبي والطّائفي بين الدّول الإسلامية، وهكذا تمزقت الأمة الإسلامية إلى دويلات فسهلت السيطرة عليهم.

كما نعلم انه قد ظهر في عصور مختلفة علماء مجددين جددوا هذا الدين الحنيف. وكتب التاريخ مليئة لسير حياة المجددين وكيف أنهم خدموا الدين الاسلامي وطوروها وجدّدوها. مع كل هذه الفتن الاستعمارية، نحن متفائلون من زيادة عدد المؤمنين ورجوعهم إلى القرآن والسنة حتى يشكلوا قوة كبيرة وحضارة جديدة بإذن الله تعالى. ونحن لم نجد أيّ تعارض بين العلم والمنطق البشري مع القرآن الكريم أبدًا. وفي كافة العصور وحتى بعد التطورات الحديثة في العلوم، والسبب واضح لأن مصدر القرآن ومصدر العلوم والكون واحدٌ وهو الله تعالى. ومثل ذلك بقية الأديان السماواية يؤمنون على أنّ مصدر العلوم هو الله تعالى، وأنّ كتبهم أيضًا من الله تعالى، ولكن بسبب تزوير هذه الكتب أبطلت حكم كتبهم السماوية. والسياسيون المنافقون لهم الدّور الأكبر في تزوير الأديان السماوية. وقد طوّر هؤلاء الأعداء حقدهم وبداؤ بتأسيس قنوات تلفزيونية تبشيرية للأديان من أجل الهجوم على القرآن والسنة وأقوال علماءهم بعيدة عن أي إثبات علمي أو منطقي يقبله العقل السّليم. ومواضيع مناقشتهم ليست بالجديد وإنما كلها متكررة ومواضيع قديمة سبق وأن طروحوها قبل عصور عديدة وأجاب عليها العلماء المسلمون بجواب كاف وكلها موجودة في بطون مصادرنا، ولكنهم يصّرون على إثارة نفس الأسئلة لأسباب سياسية كما نعرفها.

 

التجديد في مجالات الشريعة:

 

التجديد بمعنى «إحياء وبعث ما اندرس منه، وتخليصه من البدع والمحدثات، وتنزيله على واقع الحياة ومستجداتها». والتجديد من الأمور التي ترتبط بخصائص الشريعة الإسلامية من بقاء وخلود وشمول يجعلها صالحة لكل مكان وزمان، التجديد في مختلف مجالات الشريعة؛ فمن ذلك:

1ـ التجديد علم العقيدة؛ وجعله على عدة محاور تشمل تخليص وتنقية العقيدة من الآثار السلبية لعلم الكلام والتركيز على الجانب الإيجابي المؤثر في السلوك بالإضافة إلى الربط بين العلم العقيدي والعمل إلى غير ذلك. "ولا يقصد هنا من كلمة التجديد اضافات جديدة على الأحكام".

التجديد في علم أصول الفقه، وذكر فيه تاريخ أصول الفقه وتعرض للكلام على علم المقاصد ونشأته، ثم انتقل إلى الكلام على مظاهر التجديد في علم أصول الفقه، فذكر من ذلك تخليص وتنقية علم الأصول من المباحث الكلامية والمنطقية غير المفيدة بالإضافة إلى دعم القواعد الأصولية بالأدلة الشرعية إلى غير ذلك من سمات تجديد ذلك العلم.

3ـ التجديد في علم الفقه؛ فذكر تاريخه ومسيرته وما طرأ عليه من تغييرات وانحرافات، ثم أشار إلى سمات التجديد من خلال فتح باب الاجتهاد، وتيسير شروطه، والوصول إلى الحق لا البحث عن الترخص، ومسايرة أهواء الناس، بالإضافة إلى إصلاح منهجية تعليم الفقه.

التجديد في علوم السنة؛ فذكر تاريخ السنة وتدوينها، وأشار إلى أن التجديد في السنة يكون بتنقية كتب التراث من مردود الآثار، بالإضافة إلى تفعيل التطبيق لعلوم الحديث مع إلزام أهل الدعوة بالصحيح من الآثار والتنبيه على درجة الأحاديث في دروسهم ووعظهم.

التجديد في علم التفسير؛ فذكر منهج التفاسير ومناهج أهله، ثم أشار إلى مظاهر التجديد من خلال تصفية التفاسير من الخرافات والإسرائيليات والاهتمام بضوابط التفسير بالرأي من علم باللغة، واستصحاب المأثور، ومعرفة أسباب النزول، والتزام قواعد الفهم السليم، إلى غير ذلك مما أشار إليه.

التجديد في علم التزكية والسلوك؛ وتعرض فيه الباحث إلى بيان مكانة الأخلاق في الإسلام، ثم ذكر أوجه الانحراف في تاريخ السلوك من خلال شطحات التصوف وأسس ذهابه عن المنهج الإسلامي القويم، ثم أشار إلى كيفية التجديد من خلال تنقية علم السلوك من آثار التصوف وتخاريفه، واستبداله بالسلوك النابع من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة رضي الله عنهم وتقديم الدراسات الجديدة في علم السلوك التي تتمتع بهذه المزايا.

التجديد في السيرة والتاريخ الإسلامي؛ فذكر أوجه الخلل التي دخلت فيهما ثم بيّن كيفية التجديد من خلال تقديم التاريخ وفق التصور الإسلامي وعدم إقحام الرؤية الخاصة في تفسير الأحداث التاريخية بالإضافة إلى الاهتمام بتوثيق الآثار التاريخية[5].

 

هل تؤيد تجديد الفكر الإسلامي؟

 

يمكن أن يطرح سؤال بهذا الشكل أو ما شابه من الأسئلة على المسلمين، نتيجة انخراط المسلمين إجباريًّا في استحقاقات العولمة، وهنا يتطلب على العلماء والمثفقين المسلمين الإجابة على هذا السؤال بشكل جدي وعصري، حتى لانكون نحن كمسلمين لا ندرك مفهوم العولمة ولا أن نجعل أحكام المعاملات الشرعية في داخل العولمة كما يردها الأعداء وإجبارهم علينا بشكل مباشر أو غير مباشر تحت شعارات جذابة كأنها من أساس الإسلام وتحت شعارات حقوق الإنسان ونظام الديمقراطية والحرية. ولأجل تقديم الإسلام بصورته النقية الأولى علينا أن نجدد أنفسنا كمسلمين لا أن يتجرأ غيرنا ويقوم بتجديد ديننا، والتجديد وتفسير الآيات بما يلائم العصر والتطورات والأحداث المستجدة فرض على الدولة وفقهائها الصالحون هم أهل الفتاوى وتفسير الأحكام على إطار أصول الفقه الإسلامي المعروف لدى العلماء. ويمكن أن نعطي نماذج لفتاوى للمسائل الفقهية الجديدة والتي جوزها العلماء لأكثرها عمومًا مثل: موضوع الصعود إلى أقطار السموات وموضوع الضمان والبنوك اللاربوية والتجارة التي لم تكن معمولاً في السابق وموضوع التجميل وزرع الشعر ونقل وتبرع الأعضاء وزواج المسيار والزواج الصيفي والزواج المؤقت والإنجاب عن طريق أنابيب الأطفال وحجاب وتستر المرأة بما تلائم العصر، وحتى أنهم أعطوا فتاوى حول تحريم نسخ الإنسان أو الحيوان ونحو ذلك.

وأقول هنا للمسلمين المتعصبين والمتطرفين الذين لا يريدون أن يتسابقوا حضارة أعدائهم ولا يقبلون تجديد وتطوير مفاهيم دينهم بل يريدون بقاء الاسلام كما في عصر الرسول (ص)، هذا قول حق يريد به باطل، لأنّ العقائد لا تتغير بل المواضيع الفرعية تتغير والعلماء والفقهاء الوسطيون أدرى بذلك، فالتطور العلمي والتكنولوجي والصناعي ونحو ذلك. إذا لم تتم هذه التطورات فكيف يمكن للمسلمين أن يحلّلوا آيات وأحاديث في فضل العلم والعلماء وفضل السعي والاجتهاد؟ وكيف يمكن للمسلمين أن يتسابقوا الأعداء في التكنولوجيا والجيش والتقدم العلمي والعسكري؟ وماذا عليهم أن يقول قول الرسول (ص) في ظهور مجدد كل مِائة سنة.

ونحن نفتخر بديننا فكل القوانين العالمية الذي أرساها الأمم المتحدة ومن أبرز مواضيها: موضوع حقوق الإنسان والحيوان وموضوع المساواة بين الذكر والأنثى، وكانت موجودة في القرآن قبل 14 عصر فقال تعالى (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)[6] وقوله (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)[7] والتقوى يكون بالقول والفعل لا بأحدهما. وبقاعدة حرية العقائد والأديان ممثلة بقوله تعالى (لا إكراه في الدين)[8]، وفي حل الصراعات والحروب كما في قوله الله تعالى (من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا)[9] وقوله (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)[10] وقوله أيضًا (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم)[11]، وفيي موضوع تيسير وتسهيل الأمور على الناس ممثلة بقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر)[12] وكذلك (ما جعل عليكم في الدّين من حرج)[13]، وفي موضوع درء المفاسد الآتية من قوله تعالى (والله لا يحب الفساد)[14]، وفي موضوع العدل ممثلة بقوله تعالى (ليقوم الناس بالقسط)[15]، وفي موضوع الجزاء كما في قوله (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)[16] وفي إزالة التميز العنصري كقول الرسول (ص) (لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى).. وآيات كثيرة كلها تلائم أحكام الأمم المتحدة. وبعد هذا الحديث هل يحتاج لنا إثبات القرآن أنها صالحة لكل زمان وقد قبلت الأمم المتحدة أسسها وطبقت أكثر من ثلاثة عشر قرنًا. وكل هذا دليل أخر على أنّ الدين الإسلامي يتلائم مع الفطرة السليمة، وقابل بأن يلائم العمل به في كل العصور.

 

أراء المسلمون في التجديد:

 

هناك ثلاثة أنواع من المجددين والمجتدين في الدين الإسلامي: وهم:

1ـ مسلمون يرفضون التجديد:

 

جماعات اسلامية متطرفة كثيرة ولا يحتاج إلى ذكر أسمائهم، وهم يرفضون التّجديد والاجتهاد في كثير من المواضيع، ويدّعون أن كل عمل وعادات وتقاليد وعلم وصناعة وتكنولوجية غير موجودة في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام عمله والاستفادة منه بدعة وضلالة. ونحن نقول لهؤلاء أنتم مخطئون وتجهلون حقيقة الإسلام لأنّ القرآن الكريم ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام قد اهتم بالعقائد الإسلامية الاساسية بالدّرجة الأولى، ثم اهتم بفرعيات المواضيع الإسلامية وتركها للمسلمين لكي يجتهدوا ويسعوا ويفكروا ويعقلوا في هذه الأمور، وأن تبقى عقول الإنسان نشطة وتفكر وتطور نفسها نحو الأفضل، وهكذا تكونت الحضارات وكشفت المعادن واستعملت لأجل صالح البشرية ومثل ذلك الطّب والمصانع والتكنولوجيا والعلوم الأخرى. آيات وآحاديث كثيرة حول هذه المواضيع. لقد اهتم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بالتجديد والإبداع والابتكار والتطوير وجعلها من أساس الإسلام. لقد جدّد وطّور دين أمته القديمة، فغيّر مفهوم وشكل عبادتهم وغير قبلتهم وأخلاقهم ومعيشتهم وملابسهم وطعامهم ونبذ كافة العادات الجاهلية وحتى أنه أضاف أشياء كثيرة وجديدة إلى الأديان السماوية السابقة كإعطاء المرأة حقوقها ومساواتها مع الرّجل، وعلمهم توحيد الألوهية وعبادة الله تعالى فقط، وأن تذبح الأضحية لله تعالى فقط ومثل ذلك. حث القرآن والأحاديث النبوية على التجديد والتطوير، عن طريق القراءة والتّفكّر والتعقّل وطلب العلوم، وكذلك باهتمامه إلى العلماء فقال تعالى (إنما يخشى اللهَ من عبادهِ العلماء)[17].(يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)[18]. (فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون)[19]. وقال النبي (ص) (العلماء ورثة الأنبياء)، (إن العَالِم يستغفر له من في السماوات والأرض حتى النملة)، (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدد لها دينها) أبو داود والحاكم والبيهقي. (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء)، (أتى جماعة قالوا يارسول الله استخلف علينا، قال لا، إنْ يعلم الله فيكم خيرًا يولّ عليكم خيرًا). لقد استخلف لهذه الأمة بعد وفاته علماء عاملين وأولياء صالحين ليجددوا ويطوروا دينهم ولكي لا يضل هذا الدين محصورة على دائرة ضيقة، ولا يستجيب لأحداث ومواضيع جديدة.

 

2ـ مسلمون متطرفون يريدون التجديد، وتجديدهم قائم على العقل البشري:

 

وهم كثيرون، وهؤلاء يبتدعون في الدين إمّا جهلاً في الدّين وبنية صالحة أو من أجل خدمة مصالحهم أو لأجل خدمة أعداء الإسلام، فيبتدعون في المواضيع العقائدية ويطلبون الاجتهاد أو التجديد من أجل تغير شريعة الله بقوانين مدنية غير اسلامية بما فيها العقائد الاسلامية. أو أنهم يفسرون الآيات القرآنية من غير تأويل أي كما هي فلا ينظرون إلى الاعجاز البلاغي من تشبيه ومجاز ونحوها، فيشبهون الله عز وجل بالأنسان له يده وعرشه كما ورد في القرآن مجازًا لتقريب المعنى على عقول الناس.

كما نعلم أنّ شرائع الله وعلومه موجودة منذ القدم منذ أن خُلق آدم (ع) وكون كتاب الله في اللوح المحفوظ في كافة الاديان ثابت، وكل ذلك في قدر الله وتقديره. ولهذا السّبب نقول أن القرآن ليس كتابًا تاريخيًّا ومرتبطًا بالمكان والزمان، أو محصورًا على جماعة معينة، بل عالمية وفوق الأزمان والأماكن والجماعات كما ذكرنا فهو كتاب الهي أزلي، صالح لكل الأزمان والأماكن، والعلماء الصالحون من المسلمين لهم حق الاجتهاد أو التجديد في هذا الدّين الحنيف بمفهومه الجديد والذي يفهمه شعوب زمانه. وقد تطرق القرآن الكريم أو الرّسول (ص) إلى اُسس هذه العلوم دون أن يفصلها، لكي يكشفها الإنسان ويطورها، لأنّ التّطوير من سنن الكون وسيستمر إلى يوم القيامة، ولا يمكن تغير سنن الكون فقال تعالى (فلن تجد لسنَّة اللَّه تبْديلا ولن تجد لسنَّة اللَّه تحويلا) الفاطر 43. وهؤلاء المبتدعون الذين يبتدعون أمرًا جديدًا خارج عن الدين الاسلامي، هؤلاء يريدون اخراج المسلمين من طريق الهداية الى طريق الضلالة، ويبتدعوا في جلب القوانين والأنظمة الغير الإسلامية، مثل القوانين المدنية والعلمانية والاشتراكية والشيوعية والرأسمالية واللّيبرالية، دون جلب الشريعة الإسلامية التي تضرب منافعهم، ووصفوا كل القوانين الوضعية بأنها تجلب الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان (الكاذبة). وبجلبها بعد أسقاطهم الخلافة الإسلامية جلبوا للشعوب الإسلامية الظلم والطغيان والحروب والصراعات والفتن والفساد وسلب حقوق وحريات وأموال الشعوب وأباحوا تشريد وسفك دماء الأبرياء من الشيوخ والأطفال والنساء العزل. وكما ذكرنا بعض المسلمين المتطرفين الذين يجعلون صفات الله هي نفسه استدلال خاطيء،، وهؤلاء لا يقبلون تأويل آيات القرآن فلهم تأثير سلبي على العقيدة الاسلامية. والقرآن الكريم حذّرنا من هؤلاء المتطرفين عند الابتداع في دين الله تعالى فيقول (وأنِ احكمْ بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) المائدة، 49. وقال (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة، 44. وقال (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) المائدة، 45، وآيات كثيرة تدل على ذلك.

كما نعلم أن المسلمين عاشوا مع هذا الدّين الإسلامي وطبقوا نصوص القرآن لأكثر من 14 عشر قرنًا كما ذكرنا وتلائمت الأحكام القرآنية لعصور عديدة التي عاشوها وحتى تلائمت فطرة وآديان الدول التي فتحوها، فوجدوا فيها السعادة والحياة الآمنة والمطمئنة، وذاقوا معنى السعادة والحرية والأخوة والعدالة والمساواة وغنى النفس والحب والإخلاص والفداء.

 

وإليكم أمثلة على أسماء العلماء والأدباء والسياسيين والرؤساء المتطرفين:

 

وقد يكون من بين هؤلاء من أفتى بفتوى أو أوّل الآيات عن نية خالصة، ثم رجعوا عنها، وحتى أنه هناك من العلماء في أدناه انتموا إلى الجمعيات الماسونية بجهل، وبعد علمهم بخطرها وارتباطها باليهود، خرجوا منها وحتى أنهم أنقدوها. وهناك القسم الأخر كانوا على نية سيئة وأردوا ضعف الدين الاسلامي. ومن المتطرفين (ابن سينا، والفارابي، وابن رشد، وأصحاب إخوان الصّفا، وفضل الرحمن، ومهدي أمين رضوي، وصبحي مهمساني، والشيخ محمود شلتوت، ومحمد اركون، وسيد حسين نصر، وجمال الدين الافغاني، ومحمد عبد الله تلميذ الأفغاني،  ومحمد عبده تلميذ الأفغاني، والسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، ومحمد أحمد خلف الله، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد شحرور، وأحمد حلمي، وأحمد ذو الفقار، أحمد شفيق باشا، وأحمد فتحي زغلول، واسماعيل الخديوي، وإسماعيل أباظة، وسليمان أباظة، وإسماعيل صبري (الشاعر)، ومحمود سامي البارودي (الشاعر)، ابو العلاء المعري (الشاعر)، ومحمد توفيق البكري، وأحمد عرّابي باشا، وحسن موسى العقّاد، والشيخ محمد رشيد رضا (مفسر المنار)، ورفاعة الطّهطاوي، ورفيق العظم، ولطفي السيّد (كاتب حزب الأمة)، وسعيد عَقِل، وعبد الرحمن الكواكبي، وعبد الحميد الزهاوي، وفتحي زغلول باشا، وقاسم أمين، والكوبريللي، الدكتور فؤاد زكريا، وطه حسين، وسلامة موسى، ومصطفى فهمي باشا، والدكتور محمد حسين هيكل، وعبد المحسن الكاظمي (الشاعر)، وجميل صدقي الزهاوي، لطفي الخولي، وأحمد عباس صالح، وأحمد عبد المعطي حجازي، وعبد الرحمن الشرقاوي، وشبلى شميل، وفرح أنطون، ومصطفى أمين (الكاتب) وإحسان عبد القدوس (القاص)، وعبد الرحمن بدوي (الكاتب)، والعالم مصطفى صبري أفندي، أمين الريحاني (الكاتب)، أحمد نسيم الشاعر، والدكتور عبد العزيز فهمي باشا، والدكتور أنيس فريحة، والشيخ إبراهيم اليازج، وأنيس منصور، والأستاذ عثمان صبري المحامي، والدكتور يعقوب صرّوف، وأحمد لطفي السّيد، ويعقوب صنّوع، ومحمد فريد بك ابو حديد، ولويس عوض، وانطوان مطر، وأديب إسحاق، وسليمان البستاني، وبطرس البستاني، وجرجي زيدان، وسعاد حُسني (الممثلة). وحسين كامل (السلطان)، وحليم باشا (الصدر الأعظم)، ومحمد رشاد (السلطان)، محمد انور السادات (رئيس دولة مصر)، محمد حسنى مبارك (رئيس دولة مصر)، وسوزان مبارك، والملك الحسن الثاني، وحسن نصر الله، ورياض باشا، وسعيد زعلول باشا، وسعيد حليم باشا (والي مصر)، والسلطان سليم الثاني، حمد شريف باشا، والأمير عبدالقادر الجزائري، وعباس حلمي الخديوي، والشّريف حسين بن علي بن الحسين، مصطفى كمال، وعصمت إينونو، ومصطفى النحاس (الوزير)، وأحمد فؤاد (ملك مصر)، ونوري سعيد (رئيس وزراء العراق)، وحسين بن طلال (ملك الآردن)، ومعمر القذّافي، وعلي عبد الله صالح، والميرزا باقر، وسعد زغلول، ومحمد رضا بهلوى، وبطرس غالي. وصدّام حسين[20]، ومثلهم أعداد كثيرة. علمًا أنه قيل عن بعضهم أن بعض العلماء تابوا وتراجعوا عن أخطاءهم.

 

3ـ مسلمون مجددون وسطيون:

 

يجددون الدين الاسلامي حسب شروط وقواعد اسلامية، فيتفقهون في الدين ويفتون من أجل تسهيل أمور الأمة الاسلامية من دون الخروج عن اطار الشريعة الاسلامية، ومن هؤلاء المجددين مثل: أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي والحنبلي والمالكي والامام قرفي المالكي والامام الطوفي البغدادي والشاه النقشبند والشيخ عبد القادر الجيلاني ومولانا خالد البغدادي والإمام الرّباني، ومحمد زاهد كوتكو وبديع الزمان سعيد النورسي وأحمد ضياء الدين كوموشهانوي ونحوهم.

 

في التجديد يجب أن نراعي ما يلي:

 

1ـ حرمة المساس بالدماء والأموال والأعراض لأنّ في التجديد لا يتطلب منا هدر كل ذلك، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام).

2ـ عدم تضرر المسلمين والناس أجمعين كما في قول النبي (ص) عليه الصلاة والسلام (لا ضرر ولا ضرار)، (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس).

3ـ ويفضل في التطوير بالعلوم والمعارف، السّعي واختيار الأحسن، فقال تعالى (وأحسن كما أحسن الله إليك)[21]. وقال الرسول (ص) (طلب العلم فرض على كل مسلم ومسلمة) (أطلب العلم ولو بالصين).

 

دلائل حول إعجاز القرآن الكريم وكونه صالحًا لكل زمان ومكان:

 

أـ فضائل علوم القرآن: فضائله كثيرة منها

يعتبر القرآن الكريم المصدر الأساسي والأول للإسلام وللتعاليم الإسلاميّة ويكون الرّجوع الى أُصولها كالعقائد والعبادات وأحكام الحدود وأحكام الميراث والمعاملات والأحكام الدّستورية وقوانين العقوبات وتنظيم الدّولة السّياسي والإداري والصّحي والعسكري وكذلك المفاهيم والقِيم والموازين والشّعائر والأخلاق والأداب وغير ذلك. لقد وضع لكل هذه المواضيع أُسسها، وأرسى دعائمها. وكذلك يتطرق الى المواضيع العلميّة والطبيعية لتبيّن لنا معجزته العلمية أيضًا. إذن لايمكن الشّبهة من القرآن لحل كافة مشاكل الفرد والمجتمع والدّولة في كافة العصور. علمًا أنّ أكثر من عُشْر الأيات القرأنيّة تتعلّقُ بالعُلوم الطّبيعيّة وعلى وجه التّدقيق (670) أية تبحث في شتى المواضيع العلمية موزّعة كما يلي:

1ـ الرّياضيّات، 61 أية.  2ـ الذّرة، 5 أية. 3ـ النّسبية، 62 أية. 4ـ الفلك والمجرّات، 100 أية. 5ـ المناخيّات (الطّقس)، 20 أية.  6ـ المائيّات، 14 أية. 7ـ الفضاء والنّجوم، 11 أية. 8ـ الحيوان، 12 أية.  9ـ الزّراعة، 21 أية. 10ـ الأحياء، 36 أية. 11ـ الجغرافية العامة، 73 أية. 12ـ السّلالات البشريّة، 10 أية.  13ـ طبقات الأرض، 20 أية.  14ـ الكون وتاريخ الأحداث الكونيّة، 36 أية.  15ـ الفيزياء (منها الجاذبية وحركة الأرض والغلاف الجوي والنّقل البعيد والضّغط الجوي ونحوه) 64 أية.  16ـ الكيمياء، 9 أية. 17ـ الرّياضيّات 57[22].

 

ب ـ أنواع علم إعجازُ القُرآن: خمسةٌ منها

1ـ الإعجاز البياني أو اللغوي: وهو ما يتعلّق ببلاغة القرآن، ونظمه وأسلوبه وعبارتهِ وألفاظهِ، والرّسول تحدّى به المشركين من العرب أن يأتوا بحديثٍ مثلهِ أو بعشرِ سورٍ مثلهِ أو بسورةٍ مثلهِ (قُل لئن اجتمعتِ الإنسُ والجِنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القُرآن لا يأتون بمثلهِ ولوا كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا) الإسراء، 88. ولقد أسهم في ذلك عُلماء كثيرون منهم الباقلاني وعبدالقاهر الجرجاني والطّبري والرّافعي في إعجاز القرأن وسيد قطب في التّصوير الفني في القرآن ومشاهد القيامة في القرآن وعبدالله دراز في النّبأ العظيم وبنت الشّاطئ في تفسير القرآن بما فيه من المجاز والتّشبيه والمثال ونحو ذلك. وهذا الأسلوب البياني واللغوي هو الذي ساعد القرآن أن يكون صالحًا لأجل تأويل المواضيع حسب المفهوم العصري.

2ـ الإعجاز المُوضوعي أو التشريعي: ونعني به، أنّ القرآن قد جُمع من صنوف الهداية والحكمة والموعظة الحسنة، ومن وجوه الإصلاح التّوجيهي والتّربوي والتّشريعي وصيانة لحقوق الإنسان وعبر وعِظات في القصص القرآني، ما يسعدُ البشر أفرادًا وأُسَرًا وجماعات ودولاً، في دينهم ودُنياهم لو أنّهم اهتدوا به وآتّبعوهُ. وألّفَ في ذلك كثيرون منهم رشيد رضا في الوحي المُحمدي ومقالات محمد أبو زهرة عُنوانها شريعة القرآن دليل على أنّه من عند الله وكُتب العقاد الإنسان في القرآن الكريم  والمرأة في القرآن ونحو ذلك.

3ـ الإعجاز العِلمي: ونعني به ما يتعلق بإشارة القرآن في كثير من آياتهِ الى كافة الحقائق العلميّة والتي كشف عنها العلم الحديث، مع أنّها كانت مجهولة في عصر النّبوة، وما بعدهُ لقرونٍ عديدة. لقد كتب كثير من علماء المعاصرين في هذا الموضوع منهم د. محمد أحمد الغمراوي، و د. محمد جمال الدين افندي وعبدالرّزاق نوفل، والشّيخ طنطاوي جوهري. ومن وجوه الإعجاز العلمي، حيث توصل العلم الحديث اليوم إلى كثير من الحقائق التي أثبتها القرآن الكريم قبلُ، كقوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) الحجرات 14،1. والعروج يكون في خطوط منحنية غير مستقيمة كما نجد ذلك في العصر الحديث. وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) الأنبياء، 30. ونحو ذلك من الآيات التي أكدها العلم الحديث وصدقها، كل ذلك تصديقًا لقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فصّلت، 53. وقد تحقق هذا الوعد الإلهي بما أثبته العلم وما يثبته كل يوم، ورأى الناس آيات الله فيما بثه في كونه وما أودعه في مخلوقاته. والاية الكريمة التي توصف عذاب الانسان يوم الحساب الاكبر وهية بعد بسم الله الرحمن الرحيم (كلا لئن لمن ينتهِ لنسعفًا بالناصية ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئةٍ) العلق 15، 16هذة الاية الكريمة بعد التقدم بالعلم الحديث اكتشف العلماء ان الدماغ مقسم الى عدة اقسام وكل قسم مسوؤل عن نوع من التصرف او العمليات الحريكة في الانسان وبعد التركيز في البحث اكتشف العلماء ان الجزء من الدماغ المسوؤل عن الكذب والخطيئة في الانسان موجود في مقدمة الرأس اي ما وصفها القرآن بالناصية فهل بعد هذا الاعجاز في كلام الله اعجاز فاعتبرو يا أولي الالباب.

4ـ إعجاز الخُلود: ومن خصائص القرآن أنّه كتابُ الخُلود ليس كتاب جيلٍ ولا كتاب عصرٍ ولا كتاب أجيالٍ أو أعصار محدودةٍ، بل هو الكتاب الخاتم للرسالة الخاتمة، ولهذا تكفّل اللهُ بحفطه (إنّا نحن نزلنا الذّكر وإنّا لهُ لحافظون) الحجر، 9. (وإنّه لكتابٌ عزيزٌ لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولامن خلفهِ) فصّلت،41،42. وبإعجازِه بقي صالحة لكلّ عصر وزمان.

5ـ الإعجاز الشّمول: ومن خصائص القرآن كذلك الشّمول فكما أنّه متاب الزّمن كُلّهِ هو كتاب الدّين كُلّهِ، جمع أصول الهداية الإلهيّة، والتّوجيه الرّباني، في العقائد والشّعائر والآداب والأخلاق، كما جمع أصول التّشريع الإلهي في العبادات والمعاملات وشؤون الأسرة وعلاقات المجتمع الصّغير والكبير، المحلّي والدّولي، الى جانب تنظيم الشّؤون الإجتماعية فهو كتاب الإنسانيّة كُلّها، وكتاب الحياة كُلها. ولهذا جعله الله هدىً للناس وللعالمين، (شهر رمضان الّذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس) البقرة، 185. (إنْ هو إلاّ ذكرٌ للعالمين) التّكوير27"" [23].

 

ج ـ ومن مباحثها ومواضيعها أيضًا:

الإعجاز الغَيبي والمُستقبلي والتّاريخي التي لا يُمكن الإطّلاع عليها إلاّ بالوحي، والإعجاز العددي والتي يهدف إلى حلّ مواضيع وأحداث القرأن عن طريق الأرقام، وكذلك معجزته في أمثال القرآن وبيان الّنظم، ومواضيع أخرى. فالكمال كلّ الكمال في القرآن الكريم وفي الدّين الإسلامي الحنيف والمنزّه من كلّ التّحريف والأخطاء مهما قالوا ، فالله تعالى يقول (إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون) الحجر، 9. والقرآن الكريم كما هو معلوم أنّه وصل إلينا عن طريق التّواتر وعن طريق نبيّنا محمّد (ص) الأمين، وهو خالٍ من التّحريف، وهذا الكتاب العظيم لايُمكن أنْ يكتبه أو يُحرّفه رجلٌ أميٌّ، ويتحدى كبار العُلماء والحكماء والأدباء واللّغويين الفاسقين والكافرين من إتيان سورة من مثله، ففيهِ الإبداع البلاغي الرّائع والتّرادف والاشتقاق ومعاني الكلمات الكثيرة الرّقيقة والرّنانة وغيرها من الصّفات ممّا تجعله لغة عالميّة وتصلح للتجديد. والقرآن وعد المسلمون بوعود كثيرة إذا أطاعوا أوامره فيسخر لهم كلّ شيء من علم ومعجزة وغيب والحكم للعالم إذا أمنوا به حقّ الإيمان فقال تعالى (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم)[24]. (وكم من فئة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)[25]. ووعد لهم أشياء كثيرة وحتى أن يكونوا خليفة الله في الأرض، فقال تعالى (إني جاعل لكم في الأرض خليفة)[26]. والقرآن الكريم تشريع ومنهج متكامل للبشرية جمعاء يتطرّق إلى مواضيع كثيرة في أساسها علم العقيدة التي فيها الإيمان بالله وأنواع العبادات بصورة واضحة ومفصّلة، ثمّ إلى كافة العلوم وأمور الدّنيا والأخرة بشكل عام وموجز ويضع قواعد وأسس لهذه العلوم بما تهم البشريّة لكي يهتدوا ويتعلموا ويجتهدوا ويفكّروا ويتفقهوا في أمور هذه العلوم وأن يهتموا ويبتدعوا ويطوروا ويجددوا أنفسهم على قدر علومهم وفهم نصوص القرآن الكريم كلّما إزاددت العلوم والتكنولوجية والصناعة والكشوف والاختراع إزداد إلى فهم القرآن الكريم من جديد وبهذا يتم التجديد الذي نحن بصدده، ولكي يتمّ التجديد في كلّ العصور، وحسب الظّروف والمكان بشرط عدم الخروج من الإطار العام لمبادئ الإسلام الأساسية وعلم اصول الفقه. وقال (ص) (إنّ الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد النّاس). ولكن حرّم الإسلام الابتداع الدّخيل على الإسلام والدّين براءٌ منهم، فمثلاً لا يجوز الاجتهاد في العقائد والعبادات الموجودة والثابتة في القرآن والسنة، ولكن يجوز الإجتهاد لفروع العقائد. قال الرّسول (ص) (اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم عليكم بالأمر العتيق) رواه الدارمي والطّبراني في المعجم الكبير. وقال (كُلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار) متّفق عليه، وعلينا أن لا ننخدع بالأهواء والشّهوات وبالغزو الثّقافي والاقتصادي والسّياسي الغربي، لأنّ فيها خدع شيطانيّة والله يأمرنا أن لا نتبّع خطواط الشّيطان. بل علينا أن نتبع خطواط الله ورسوله لأجل الوصول إلى الحقائق وأكبر حقيقة هو معرفة الله بعلم اليقين وعين اليقين وقلب اليقين، هكذا نستطيع استلام راية القوّة الحضارية من يد الأوربيين والغربيين.

 

تعلّم العلوم من أجل معرفة الله والتقدم الحضاري شرط أساسي في الاسلام:

 

هناك من يدّعي أن كلّ جديدٍ بدعةٌ ومن أمور الشّيطان، فالتّغير لابُدّ أن يجري في مجالات الحياة، وقد الله ورسوله بذلك، لا مُحال فعلى المتطرفين بدلاً من أن يمنعوا التطور والتجديد عليهم أن يسعوا قليلاً وأن لا يكونوا عثرة حجر أمام التغيرات. وهناك آيات كثيرة تلمح على التّغير والتّجديد منها (إنّ الله لا يُغيير ما بقوم حتى يُغيير ما بأنفسهم)[27]. (ذلك بأن الله لم يك مغيّرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يُغيّروا بأنفسهم)[28]. (إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد)[29]. وقال عليه الصلاة والسلام (إنّ الله تعالى يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة مَن يُجدّد لها) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي، وهذا الحديث له معنى تحديث وملائمة الإسلام للعصر أي تجديد البناء مع بقاء الأصل. وقال الإمام علي (رض) (من ساوى يوماه فهو مغبون). وفي مواضيع التطور والتجديد يمكن القول أنّ الأنبياء لا يخطأون عندما يجددون أمر الله ومنذ آدم إلى ظهور النبي محمد كان التجديد مستمرًا وأكبر تجديد حصل في عصر النبي محمد (ص) فقد غيّر عادات الجاهلية البدوية إلى عادات اسلامية مدنية. وبعد الرسول (ص) سلمت راية التجديد إلى العلماء الأفاضل وأنهم قليلوا الأخطاء لأنهم أولياء الله وصالح الناس.

 

ماذا علينا في عصر التكنولوجيا من أجل الحفاظ على عقديتنا؟

 

في عصرنا الحاضر ظهر ما يُسمى بعصر الدّيمقراطية والحرية وعصر التّكنولوجيا والفضائيّة وعصر الميلانيوم، بدلاً من أن يسهل الحكام أمور الناس والمسلمين عرضوا الناس إلى الدمار والهلاك. ففقد الناس نعمة التّفكير بأيات الله تعالى وفقدوا الخشوع في العبادات وابتعدوا عن الأخلاق الفاضلة والقدوة الحسنة وفقدوا واحترام الكبار والعُلماء الصّالحين وفقدوا الأمان وأسباب النّجاح والسّعي بالإخلاص وفقدوا التّعاون وحُبّ الغير، بسبب انشغالهم بتكنولوجية العصر وبنعم الترفيه واللهو الغير المحدود، التي لم يقبلها ديننا بانشغالنا باللهو ومتاع الدنيا كثيرًا. ومن أجل إيجاد الحلول الكافية لمشاكلنا علينا أن نرجع إلى القرآن والسنّة، وأن نتعلم العلوم من العلماء الصّالحين وأن نحترمهم لكي نكون من القرية الصّالحة أهلها إن شاء الله (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها)[30]. (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس)[31]. (وضرب الله مثلاً قرية آمنة مطمئنة)[32]. علينا أن لا نعتمد على العلماء والحُكام الطغين والمنافقين وإلى السّحرة والدّجالين وغيرهم، لا بل، فلوا أصبحنا مثلهم فيحق عذاب الله علينا. وأقول مهما مكرَ الماكرون وخدع الخادعون لإزالة هذا الدّين الإسلامي العظيم، وافتراءهم عليه، فسوف لن يستطعوا من إزالة ديننا لأنّ الله هو صاحب هذا الدين وسيحفظهإلى يوم القيامة ويبقى نظامه صالح لكل زمان ومكان، (فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون)[33]. فالقلّة القليلة من المسلمين الطّّيبين والصّالحين يكفي بأن يكونوا جند الله ليهزموا أعداء الله وينصروا دينه، حيث قال جلّ وعلا (كم من فئةٍ قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)[34]، لأنّ في نصر الفئة القليلة حكمة إلهيّة وتحدي لمن يتباهى بعدده وعُدّته، ونجد أمثال الفئة القليلة الصالحة في كل أزمان، وسيجاهدون في سبيل الله ويعلون كلمة الله إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى مادموا مؤمنين بالله حقّ الإيمان ومتعاونين وموحدين لله الواحد القهار.

 

الكمال لله وفاقد الشيء لا يعطيه:

 

كيف يمكن للمادة الغير الحية أن يخلق مادة حيّة، والمخلوق من الانسان كيف يمكن له أن يخلق خلقًا أخر خلقه، وكيف يمكن له أن يخلق السموات والأرض وما فيها من النعم الكثيرة من الأنهار والجبال والغابات والحيوانات والطيور وما تحتها من المعادن والثروات الكثيرة. وعقل المخلوق الفطري المكتسب كيف يمكن له أن يتصرف مثل العقل المطلق وهو الله تعالى. فلو نظرنا إلى مراحل خلق الله للكائنات لعرفنا قدرة الله أكثر، خلق الإنسان من ماء ثمّ أصبح مضغة ثمّ كسى العظام بمضغة وأخيرًا أصبح جنينًا ثم طفلاً له كامل أوصاف البشر، وأنظر إلى الكتكوت كيف يكسر البيض بالقرن ويخرج منه؟ فمن الذي أعطاه القرن وبعد الكسر يخفيه؟ وأنظر كيف سخّر الله حبة الباقلاء إذا زرعناه بأي شكل من الأشكال سوف يكون سويقها فوق الأرض فمن الذي يحركه ويُعده تحت التراب؟ وأنظر إلى قدرة وكمال الخالق كيف أنه سخّر الجمل الكبير لطفل صغير ليجره إلى ما يشاء! فالذين لا يملكون حفظ أنفسهم وأروحهم من الموت فكيف يمكن لهم أن يعطوا للناس حياة سعيدة وعيشًا كريمة. كما إدّعى فرعون ونمرود لشعوبهم في التاريخ، ومن بعدهم جاؤا فراعنة كثيرة في كلّ عصر. ومصادر العلوم كلها هو الله تعالى؟ والإنسان ماتعلمه وما سيتعلمه أساسه من الله سواء من الكتب السماوية (وخاصة القرآن الكريم) أو من الأنبياء والرسل (وخاصة النبي محمد عليه السلام) ثم يعلّمه لغيره. فقال الله تعالى (وعلّم آدم الأسماء كلها)[35]. أما لم يعلمه الله للإنسان من الغيبيات وما وراء الطبيعة لا يمكن أن يتعلمه وحتى أنّ الإنسان في عالمنا لم يكشف لحد الآن ماهية الكهرباء والجاذبية والمغناطيس ونحو ذلك. ونقول الله خلق ذبابة أو أي حشرة صغيرة فأخلق لنا مثله! والله خلق التراب والماء والمعادن فأخلق شيئًا جديدًا غيرهما. والإنسان الذي يدّعي أنه يستطيع أن يخلق كل شيء لو وفرت له كل شيء من مواد ووقت ونحو ذلك، ونحن نقول ليجتمع كافة العلماء وعباقرة العالم، وليأحذوا كافة المساعدات المالية من أغنياء الدول، وليسعوا عصور طويلة من أجل خلق شيء مالم يخلقه الله لهم في الدنيا وفي الكون. الكمال لله وفاقد الشيء لا يعطيهِ. فالإنسان بعقله يستطيع الوصول إلى كلّ هذه الحقائق الإلهية عن طريق التّعلم والكشف والاختراع وكذلك بالسّعي والتّنقيب والرّحلات والمختبرات والمعامل، والقرآن ليس كتاب علم وإنّما كتاب هداية ورحمة، يهدي الأمة إلى الطّريق الصّحيح ويرحمهم وينقذهم من بلاء الدنيا ومن نار جهنم ويسعدهم في الدنيا والأخرة، وأنّ الذي خَلق الإنسان كذلك خلق سلوكهم وتصرفاتهم، لذا فهو أيضًا يعرف كيف يمكن أن يعالج الأخلاق السيئة والنفس الدنيئة في كافة العصور. مادام الكمال في الله تعالى والقرآن، لذا علينا طاعة كل ما جاء فيه وما أوصى نبيه لنا. ومن ضمنها التطوير والتجديد والسعي نحو الأفضل والأحسن.

 

البعث الإسلامي الحضاري:

 

" إذا لم تكن في الأرض اليوم حضارة إسلامية قائمة فعلاً، فإن فرص بعثها ما زالت متوفرة ومشجعة. إن المسلمين ما زالوا بحمد الله تعالى قادرين على الأوبة إلى الكتاب الهادي، وقادرين على السعي لامتلاك السيف الناصر. وذلك:

أولاً: لأن انحراف الأمة عن دينها لم يكن ـ وما كان له أن يكون ـ ردة كاملة عامة عن الدين الحق. فهذا دين تكفل الله تعالى بحفظ كتابه كما تكفل بحفظ العاملين من علمائه. فإذا كان الله تعالى قد قال، وقوله الحق "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فإن رسوله صلى الله عليه وسلم قد قال ـ غير ناطق عن هوى ـ لا تزالُ طائفة من أمتي ظَاهرين على الحقِ لا يَضُرُهم من خالَفهم ولا من خَذَلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون.

ثانيًا: لأنه إذا كان جوهر الحضارة ـ أو المدنية ـ وأساسها الذي يُشيَّدُ عليه بنيانها هو رسالتها، هو المعتقدات والقيم التي تستمسك وتعتز بها، فإن الجوهر والأساس الإسلامي ما يزال أقوى من منافسه العلماني الغربي. إن الإسلام يما يزال يبرهن عبر تاريخه الطويل بأنه فعلاً فطرة الله التي فطر الناس عليها. فليس على وجه الأرض دين عبر الحواجز الجغرافية والثقافات المحلية ليبقى بين المستمسكين به ـ في جملته ـ الدين الذي أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم. فكتابه هو الكتاب الذي أنزل على رسوله، وصلوات الناس هي الصلوات كانت تقام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وزكاته هي الزكاة، وحجه وصيامه هما كما كانا في أشكالهما ومواقيتهما. وبالرغم مما أضيف إلى هذا الدين من بدع إلا أنه يظل رغم ذلك أكثر الأديان احتفاظًا بحقيقته، وقد كان هذا وحده مما أغرى بعض الباحثين عن الحق بالدخول فيه.

ثالثًا: وما يزال هذا الدين يؤكد هذه الحقيقة بسرعة انتشاره المذهلة حتى في موطن الحضارة الغربية. فهم يقولون إن معدل سرعة انتشاره أكبر من معدل سرعة الزيادة في سكان العالم.

رابعًا: لأنه باعتباره دين الفطرة، ما يزال هو الدين الذي يجد الناس في آيات كتابه عِلمًا بالإله الحق الموصوف بكل صفات الكمال المُنَزَّه عن كل صفات النقص من الولد والوالد التي تطفح بها بعض الأديان، وهديًا بأنه هو وحده المستحق للعبادة الهادي إلى أنواعها وكيفياتها. ويجدون في آيات كتابه وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم عِلمًا بحقيقة أنبياء الله وما كانوا عليه من كمال بشري أهَّلَهُم لأن يكونوا الأسوة التي يتأسى بها كل سالك طريق إلى الله. لكن الأديان المحرفة تجعل من بعضهم آلهة وأنى للبشر أن يتأسى بالإله؟ وتنسب إلى بعضهم جرائم يستنكف عن ارتكابها عامة عباد الله، فأنى يكونون أسوة لغيرهم؟

خامسًا: ولأنه دين الفطرة فلا يجد الناس فيه تصادمًا بين مقتضيات العقول التي فطرهم الله عليها، ولا مخالفة لحقائق الخلق التي يشاهدونها ويجربونها. فالعقل فيه نصير الدين لا خصيمه، كما هو حاله في بعض الأديان. والعلم التجريبي يشهد له ولا يشهد عليه كما يفعل مع بعض الأديان.

سادسًا: ولأن الناس يجدون فيه حاجتهم إلى الإيمان الخالص والعبادة السليمة والأخلاق الحسنة فإنهم يجدون فيه هديًا لتنظيم الحياة الاجتماعية تنظيمًا يتوافق مع ذلك الإيمان وتلك العبادة والأخلاق، ويعبر عنها ويؤكدها ويحميها؛ فهو الدين الوحيد الذي لا يحتاج إلى علمانية تكمل نقصه، أو تتصالح معه.

سابعًا: وهو الدين الذي ما يزال يشهد لأحقيته سلوك المهتدين من ابنائه. فهؤلاء هم أكثر أهل الأرض ذكرًا وعبادةً لله، وأبعدهم عن مساخط الله، وأكثرهم بذلاً لأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، وأكثرهم رحمةً بصغير وتوقيرًا لكبير وصلةً لرحم. وقد اعترف بهذه الحقيقة حتى بعض علماءِ النصارى، ومن أعجبهم بيتر كريفت أستاذ الفلسفة بكلية بوستن، الذي يحث إخوانه النصارى على أن يعدوا المسلمين أصدقاء وأعوانا لهم في حربهم ضد العلمانية التي يرى فيها العدو اللدود للدين والخطر الأكبر على الحياة الاجتماعية. يقول هذا الرجل: لماذا ينتشر الإسلام بهذه السرعة المذهلة؟ سيسارع علماء الاجتماع وعلماء النفس والمؤرخون والاقتصاديون والديمغرافيون والسياسيون إلى تفسير ذلك النمو تفسيرا دنيويا كل بحسب تخصصه. لكن الإجابة بدهية لكل مسيحي ذي صلة بالكتاب المقدس: إن الله تعالى يفي بوعده، ويبارك أولئك الذين يطيعون أوامره ويخشونه، ويعاقب الذين لا يفعلون ذلك. إن الأمر في غاية من البساطة التي يعسر على الأساتذة الأكاديميين رؤيتها: قارن بين كميات الإجهاض، وزنا المحصنين وغير المحصنين والشذوذ بين المسلمين والنصارى. ثم قارن بين كمية العبادة.

ثامنًا: ولأن كثيرًا من الناس في الغرب بدؤوا يشعرون بالخطر الذي تسوقهم إليه الحياة العلمانية المجردة عن الدين، خطر تمكينها للاتجاه الفردي في الناس، وإضعافها للوازع الخلقي، وعبادتها للجنس، وتحويلها الحياة إلى جهد لا معنى له ولا غاية"[36].

وأخيرًا يمكن القول أنّ التجديد والإجتهادات الجديدة التي تحصل في كافة أمور حياتنا، عبارة عن تغييرات لأحكام وقواعد الإسلامية فرعية جوزها ديننا للمسلمين، أما عن القواعد الأساسية والأمور العقائدية المهمة فلا تجوز التغير والتجديد. وفي التجديد والإبداع فؤائد كثيرة للمسلمين من تطوير صناعاتهم وتطوير لحياتهم اليومية وتقدمهم الحضاري وتوسيع أفقهم بالإضافة إلى أنها عبادة.

والله من وراء القصد.

نظام الدين إبراهيم أوغلو ـ تركيا


 

[1]  كتاب مولاي المصطفى البرجاوي، خدعة "تاريخية" القرآن الكريم التصالح مع الزمان أم علمنة القرآن؟!

[2]  الحجرات، 13.

[3]  المطففون، 29.

[4]  الحديد، 29.

[5]  انظر كتاب: التجديد في الفكر الإسلامي: للدكتور عدنان محمد إمامة.

[6] النحل، 97.

[7] الحجرات، 13.

[8] البقرة، 256.

[9] المائدة، 32.

[10] الأنفال، 61.

[11] الممتحنة، 8.

[12]  البقرة، 185.

[13]  الحج، 78.

[14]  البقرة، 205.

[15]  الحديد، 25.

[16]  البقرة، 179.

 الفاطر، 28.[17]

 المجادلة، 11.[18]

 النّحل، 43.[19]

[20] Şeytan’ın Dini Masonluk, Bilim Araştırma Grubu, İst. 1993 – s 336. لسان الشيطان الماسونية، تأليف جمالة من المؤلفين.

[21]  الكهف، 77.

 العلوم الطّبيعيّة، يوسف مروة، ص7.[22]

 مباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصّالح، ص262.[23]

[24]  المائدة، 9.

[25]  البقرة، 249.

[26]  البقرة، 30.

[27]  الرعد، 11.

[28]  الأنفال 53،.

[29]  السجدة، 10.

[30]  النساء، 75.

[31]  يونس، 98.

[32]  النحل، 112.

[33]  الشعراء، 227.

[34]  البقرة، 229.

[35]  البقرة، 31.

[36]  البحث التي قُدم لمؤتمر عقدته مجلة البيان بقاعة الصداقة بالخرطوم يوم 17 رجب 1423 هـ الموافق  24سبتمبر  سنة 2002. للأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس.

 

       Geri

 

Web Siteme Hoş Geldiniz!

اهلاً وسهلاً لزيارتكم موقعنا

 

Copyright ©2006
Nizamettin İBRAHİMOĞLU