Ana sayfa Özgeçmiş Arapça Öğreniyorum Arapça Alıştırmalar İletişim

 
    Ana sayfa > Arapça Makale ve Araştırmalar > İslam'da İtidallik





 
 

 

 

جَعلَ الله المُسلمينَ أُمّةً وسطًا

فلا تطرف ولا إفراط ولا تفريط

د. نظام الدين إبراهيم اوغلو

باحث أكاديمي تركماني ـ تركيا

e.mail. nizameddin955@hotmail.com

مقدمة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .

قبل البدء بالحديث عن مفهوم الإفراط والتفريط أريد أن أقول بارك الله روح كل من حمل في جسده الطاهرة كما نفخه الله تعالى في أوّل الأمر بأمر منه. وأبارك كل من يعترف أنّ أجداد البشرية من آدم وحواء (ع) ومن ابناء واحد، وأحيّي كل من يعقل ويدرك القضايا بموضوعية وإتزان حتى لايكون كبش فداء والعوبة في أيدي الكفار والطغاة والدّول الكبيرة الظّالمة والداعية للهيمنة على الآخرين.

وأنادي وأقول: هنيئًا لمن حفظ على روحه الطاهرة وعمل وجاهد وفرج كرب شعبه المظلوم وهنيئًا لمن وحّد كلمة الله تعالى ونصره ونصر أمته والعالمين أجمعين دون تفضيل وتفريق قومية وطائفة على أخرى.

وفي هذه المقالة سنوضح التطرف والإفراط عند الأمم والشعوب وعند المسلمين من الأحزاب والقوميات والطوائف. لقد أصبح التطرف والإفراط والتعصب تهدد مصير الأمم والشعوب وتؤدي إلى زوالهم. وشعارنا هنا: لا إفراط أى لا مبالغة ومجاوزة الحد وتمادى فى الأشياء وفي الأوامر. ولا تفريط أى لا تهاون ولا التقصير ولا إهمال فى الأشياء وفي الأوامر.

فنذكر شعوبنا الاسلامية بالوسطية في كل أعمالنا وتصرفاتنا، وكل خطأ يصيبها مسلم يكون تهديدًا على المسلمين مما يؤدي إلى هزيمتهم. فلو أخذنا الحذر وأسباب النصر سوف ننتصر بأذن الله، والله يحمينا ويحمي ديننا الاسلامي. وسنطرح هنا بقدر الإمكان أسباب تعريف الاسلام والسلام والفراط والتفريط والتطرف والتعصب وكيفية إيجاد الحلول السّليمة من أجل تحقيق الوسطية كما أمرنا الله تعالى.

 

تعريف الإسلام والسّلام:

 

لقد استعمل القرآن والسّنة كلمتي السّلم والسّلام في موارد كثيرة: وتعريف كلمة الإسلام من سَلِمَ سلامةً وسلامًا أي خال من العيب والآفة، ونجا وبرىء. والسّلام بمعنى الاستسلام للانقياد والطّاعة، والسلام من اسماء الله الحسنى لسلامته من النقص والعيب والفناء. والسلام للتحية بمعنى الدّعاء وطلب السّلامة والحصانة والنجاة وهي تحية أهل الجنة. ودار السلام من أبواب الجنة معناه دار السّعادة والطمأنينة والرّاحة[1]. لذا فالإسلام يريد السّلم والسّلام الدّائم مع كافة البشرية، ولا يريد الحرب والظلم والقتل والطّغيان أبدًا. وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو حامل راية السلم والسلام، لأنه يحمل إلى البشرية الهدى والنور، والخير والرشاد، والرحمة والرأفة، يقول تعالى: (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعاملين)[2]. إذن كيف يمكن أن يكون الاسلام دين الاستبداد والقرآن يقول: (لا إكراه في الدين)[3]. ويقول: (قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما اعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا انتم عابدون ما اعبد لكم دينكم ولي دين)[4] ويقول: (اُدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن)[5]. وهذا رسول الاسلام كان يجلس دائريًّا حتى لا يكون لمجلسه صدر أو ذيل، وهذا هو الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله قال مؤنبًا لقوم ظلموا فتيانهم "لماذا تستعبدون الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارًا".  وهذا علي بن ابي طالب عليه السلام اختصم مع يهودي من يهود الكوفة الى شريح القاضي، وجلس امير المؤمنين الذي كانت امتداد دولته نصف الكرة الارضية آنذاك مع يهودي من رعاياه امام قاضي الكوفة الذي يقضي بامره، وكان منصوبًا من قلبه، كخصمين متساويين في كل الحقوق ورضخ الى الحكم الذي اصدره القاضي ضده برحابة الصدر الخاطر، ولكنه قال لقاضيه معاتبًا "لقد أساءني شئ واحد فقط، وهو انك كنت تخاطبني بالكنية وتخاطب اليهودي بالاسم، وليتك كنت تعدل حتى في مناداة المتخاصمين. وفي الحروب نبينا محمد (ص) والخلفاء فيما بعده، بالرّغم من قوتهم وقوة جيوشهم، قبلوا الصّلح مع الأعداء عند طلبوا منهم، وكان بإمكانهم الانتصار عليهم.

 

تعريف الإفراط والتّفريط والغلو:

 

الدّين الإسلامي فهو كامل وشامل من دون أي زيادة أو نقصان وهو صالح لكل زمان ومكان وهو دين العدل والانصاف والوسطية في كل الأحوال. لذا لا يقبل الإفراط والتفريط كما في قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا، لتكونا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا)[6]، (منهم أمّة مقتصدة)[7]. وقوله (ص): (خير الأمور أوسطها). ويمكن أن نعرف الإفراط والتفريط والغلو من الكتب الإسلامية كالأتي:

الإفراط: وجاء في لسان العرب: الإفراط الإعجال والتقدم وأفرط في الأمر: أسرف. والإفراط: الزيادة على ما أمرت. والإفراط في الشيء هو الغلو فيه إذ الغلو: مجاوزة الحد. يقال غلا في الأمر يغلو غلوًّا: أي جاوز فيه الحد. قال ابن منظور في لسان العرب: غلوت في الأمر غُلوًّا وغلانيةً وغلانيًا إذا جاوزت في الحد وأفرطت فيه، ويُقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا. وغلا: جاوز حده وفي التنزيل. وقد ورد لفظ الغلو في موضعين من القرآن الكريم في سورة النساء في قوله تعالى ( ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق)[8] .وفي سورة المائدة في قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق)[9]. والمعنى: (لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الألوهية كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله). كما ورد في السنة لفظ (الغلو) في عدة أحاديث منها: حدث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: ألقط لي حصى فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. ومنه قـول الرّسول (ص): (أقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه). ومعنى الغلو فيه: التشدد ومجاوزة الحد .

أما التفريط: فهو التقصير وإزالة الشيء عن مكانه. وجاء في الصحاح: فرط في الأمر فرطًا: أي قصر فيه وضيعه حتى فات وكذلك التفريط. وفي لسان العرب: وفرط في الشيء وفرطه: ضيعه وقدم العجز فيه. وقد وردت مادة (فرط) في القرآن الكريم في ثمانية مواضع منها: قوله تعالى: (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها)[10]. وقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)[11]. وقوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون)[12]. وقوله تعالى: (قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى)[13] .كما وردت في السنة في عدة أحاديث منها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم (أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجىء وقت الصلاة الأخرى). والتفريط هنا بمعنى التقصير. وبهذا يتضح أن الإفراط والتفريط أصلهما مأخوذ من مادة " فرط " وهي بالتخفيف الإسراف في العمل وبالتشديد التقصير فيه.

الغلو: هو التقدم ومجاوزة الحد في الأمر. ويقال: غَلا وأفرط إذا تجاوز الحد في الأمر وإياك والفرط أي: لا تجاوز القدر وهذا هو القياس لأنه إذا جاوز القدر فقد أزال الشيء عن وجهته. وقال الجوهري صاحب الصحاح: غلا في الأمر يغلو غلوًّا وأفرط: أي جاوز فيه الحد.

 

الإسلام دين سماحة:

 

لقد حث عليها القرآن الكريم بألفاظ شتى تدل عليها: الرحمة، العفو، الصفح، الغفران، كما أن الرسول محمد عندما سئل أي الأديان أحب إلى الله، قال: الحنفية السمحة. وقوله عز وجل: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[14]. وقد وجه الله تعالى رسوله محمد في التعامل مع أصحابه بالعفو والاستغفار لهم والتشاور معهم, مصداقًا لقوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)[15]. وقوله أيضًا: (فبما رحمة من الله نلت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)[16]. فقد دعا القرآن الكريم نبيه محمد بأن يقابل السيئة بالحسنة، (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)[17]. ولم يقتصر هذا التوجيه على النبي (ص) وإنما أمر أن يبلغه للمؤمنين (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون)[18]. (فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى)[19].

 

كيف يمكن الابتعاد عن الإفراط؟ وكيف نكون إنسانًا نافعًا؟

 

في الحقيقة أن تفسير مواضيع الإفراط والتفريط لا يحتاج إلى ذكاء خارق بل يحتاج إلى تعلم بإنصاف فالخير والشّر والحسنات والسّيئات والحلال والحرام معروف لدى الجميع، حتى أن مواضيعها موضحة عند الكتب السماوية ولائحة منطمة الأمم المتحدة وإن اختلف الإسلام في بعض أمورها.

ولأجل القضاء على مرض الإفراط والتفريط يجب علينا أن نعرف أسباب وعلة ظهورها فمثلاً علينا بمعرفة سبب ظهور العقائد الاسلامية والمذاهب الفقهية والطرق الصوفية المختلفة والمتعددة، وكذلك أسباب ظهور القوميات والأحزاب والجمعيات والمدارس المتفرقة منها المتطرفة والغير المتطرفة؟ وبعد معرفة أسباب الظهور يمكن إعطاء الحل الشّافي والعلاج الكافي فإذ كان سبب إنشاء أو تأسيس كل هذه تعكس طبيعة تعدد الأفكار والثقافات والحضارات المختلفة، حسب قابلية الأشخاص من تفوق ذكاء وعمل وفهم وتصوير للأمور أو عكس ذلك. واختلاف الأمة شيء جميل وله فوائد في تطوير الشعوب ومعرفة الخطأ من الصواب ونحو ذلك. ولكن بشرط أن لا يخرج حدود قوانين الله تعالى. قال تعالى (يا أيّها النّاس إنا خَلقناكُم مِن ذَكَر وأنثى وجَعلناكُم شُعوبًا وقَبائلَ لِتَعارفوا إن اكْرمَكُم عِندَ اللهِ أتْقَاكُم)[20]. فالدين الإسلامي يشجع الناس على التسباق الشّريف لتسلم قيادة خلافة الأرض وحماية أمن الأمة والعيش السعيد في امة فيها عادلة وحرية وسلام ومساواة. وهذا عمل فطري وطبيعي يطلبه كل شعب من أن يكون هو أولى من غيره، كأن يكونوا عند الله أمة صالحة أو قرية صالحة، وعبادًا صالحين. والتسابق من أجل عمل الخيرات وإرضاء الله تعالى وحماية الوطن والشعب والأمة المسلمة من حق كلّ مسلم وحتى من حق كل شعوب العالم. فلو فكّر أكثر الناس بهذا التّفكير فيكون الحاكم والأمير والمقتدر أيضًا من الطّيبين وقدوة حسنة ومثلاً أعلى في المجتمع. فيتمنى أن يرافع راية الحضارة إلى الشّموخ وذلك بعد نشر العدالة والوحدة والحرية والاستقرار والأمن والمساواة بين المواطنين. فقال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة) البقرة 30. وقال أيضًا (ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) يونس 14.

ولأجل حل مشكلة الإفراط والتطرف المؤدي إلى ضرر المسلمين يكون بالرّجوع الإسلام وإلى صلاح الأفراد أنفسهم ثم صلاح الأهل والأقرباء والناس أجمعين، ويكون هذا بالقراءة والتعلم والتّفكر والتعقل لأحكام الله تعالى ثم طاعته في كل صغيرة وكبيرة، ومن دون أن يسأل عما لا يعلم من الغيب.

ويتم حل مشكلة الإفراط أيضًا بصلاح صنفان من الناس (صنفان من النّاس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء) رواه أبو نعيم في الحلية. (أفة الدّين ثلاثة: فقيهٌ فاجرٌ وإمامٌ جائرٌ ومجتهدٌ جاهلٌ) في الجامع الكبير رواه الدّيلمي عن ابن عبّاس. (أشدّ النّاس عذابًا عالم لم ينفعه علمه) رواه ابن ماجة والطّبراني وابن عُدي. وعند عدم اصلاحهم ولهم الضّرر الكبير على المسلمين، على الفئة المؤمنة والجماعة الإسلامية أن يدافعوا عن أنفسهم وأن يؤدبوهم بالقصاص المعروفة التي علمنا القرآن الكريم. وحتى أنها موجودة في الأحكام والأعراف العالمية. ولأجل أن لا يتكرر تاريخ أحداث الظلم والطّغيان، علينا أن نأخذ الدّروس والعبر من الأحداث السّابقة، كما أمرنا الرسول (ص) بقوله (لا يلدغ المرء من جحر مرتين). فالقرآن الكريم والأحاديث النبوية.

ملحوظة عن حقائق الأنسان في هذا الموضوع: يمكن أن نعرف صفات الانسان من الآيات والأحاديث الكثيرة وحتى ممكن تعريفه عن طريق تجارب الحياة، كما يلي: قال تعالى: (وإنّ كثيرًا من النّاس عن آياتنا لغافلون) يونس 92. (إنّ الإنسان لظلومٌ كفّار) إبراهيم 34. (ولئن أذقنا الإنسان منّا رحمةً ثمّ نزعناها منه إنّه ليؤسٌ كفور) هود 9.  (خُلق الإنسان من نُطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين) النّحل 4. (ويدعُ الإنسان بالشّر دعاؤه بالخير وكان الإنسان عجولاً) الإسراء 11. (وكان الإنسان أكثر شئٍ جدلاً) الكهف 54. (وكان الإنسانُ قتورًا) الإسراء 100. (وكان الشّيطان للإنسان خذولاً) الفرقان 29. (وخُلق الإنسانُ ضعيفًا) النّساء 28. ومن الصفات الأخرى نستنتج من الآيات أن أكثرهم: كافرون وفاسقون ومنافقون وضالّون مسرفون وغافلون وكاذبون وظالمون ولايعقلون ولا يشكرون ولا يؤمنون..، قال تعالى (أو كُلّما عاهدوا عهدًا نبذه فريقٌ منهم بل أكثرهم لايؤمنون)[21]. (ولكن أكثرهم للحق كارهون)[22]. (ثُلة من الأوّلين وقليل من الأخرين)[23]. (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين) البقرة، 249. وقال تعالى (إنّ النّفس لأمّارة بالسوء الاّ من رحم ربي)، وقال الرسول (كل ابن آدم خطأ وخير الخطّائين التّوابون). وقد تقولون ما سبب ذكركم كل هذه الأدلة انقلية؟ السبب أنني أريد أن أثبت "بأن العصمة لله وحده"  وأنّ أكثر الناس خاطئون وفاسقون ويميلون إلى الخطأ، ثم انّ المؤمنين والمتّقين والصّالحين الذين وصفهم الله تعالى بقوله الاّ من رحم ربي، وهؤلاء يُشكلون الأقلية بالنسة إلى الناس أجمعين عمومًا. لذا فإن نفس الانسان أمارة بالسوء وغير معصوم بشكل عام، عدا الأنبياء وذلك بإرادة إلهية لا يخطئون أخطاء كبيرة. وأريد أن أقول أنني رأيت وشاهدت الكثير من الناس المتدين الذين يدعون بعدم التعصب بالقومية والمذهبية ونحو ذلك ويتشدقون في إثبات ذلك ولكن في فترات أخرى رأيتهم أنه لا يصدقون في قولهم بل يميلون إلى الغلو والافراط في أكثر الأمور ومن ضمن المواضيع تعصبهم إلى المذهبية والقومية، وهذا رأيته عند المثقفين والعلماء سواء من الفرس أو العرب أو الترك أو الكرد، وكذلك رأيت عند عند علماء الدين سواء عند علماء المذاهب الشيعية والسنية والعلوية ونحوها، وحتى رأيت أن القومي الكويتي يفرط والسعودي والليبي والسوري يفرط وغيرها من الدول العربي على عربيته الأصيلة على غيرها من الدول العربية. والتركي الأذري والتركي العراقي والتركي في جمهورية تركيا والتركي التركستاني وغيرها من الدول يفرط على تركيته الأصلية، والفارسي والكردي مثل ذلك يفرط ويدعي أن بلده أكثر أصالة من البلاد الفارسية والكردية الأخرى. فإذا كان حال المثقفين والعلماء هكذا فكيف بحال العوام. لذا كل منا متحاجون إلى معرفة ديننا جيدًا، وأن نقبل نصائح بعضنا لأننا لسنا معصومين وأن نتوب إلى الله دائمًا، عسى أن يغفر الله عن ذنوبنا ويرحم حالنا.

 

ما نظرة الإسلام في التطرف القومي والمذهبي والحزبي:

 

آيات وأحديث كثيرة في هذا الموضوع وأذكر قسم منها ففي قوله تعالى (والّذين أمنوا بالله ورسله ولم يُفرّقوا بين أحدٍ منهم)[24]. (ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا)[25]. (ما للظالمين من حميمٍ ولا شفيعٍ يُطاع)[26]. (وما للظالمين من نصير)[27]. وقول الرسول (ص) (لاترجعوا بعدي كُفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ) رواه مسلم. (ليس منا من دعا الى عصبية) متّفق عليه. (إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النّار) رواه الشيخان والترمذي والنسّائي. (لا فضل لعربي على أعجميّ ولا لعجمي على عربي إلاّ بالتقوى) رواه الشّيخان. (حرمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا) رواه مسلم. (إتركوها فإنّها نتنة). (النّاس سواسية كأسنان المشط). وقد يدّعي بعضهم بقولهم البادي هو أظلم "أي البادي في الظلم"! فأقول البادون ذهبوا وماتوا ولم يبق منهم إلاّ الذكريات الطيبة أو السّيئة. ما ذنب الأجيال من أعمال الأباء والأجداد؟ إذن كيف يمكن لنا أن نحكم أَجيالاً قد ولدوا بعد عصور عديدة بأنهم أولاد البادون للظلم؟ والله تعالى يقول (ولا تَزِروا وَازِرَة وِزرَ أُخْرى)[28]، (لا إكراه في الدّين)[29]، (إنّما المُؤمِنونَ إخْوَة)[30].

أما عن موضوع تكوين الجماعات والأحزاب أقوال كثيرة، فنجد ظهور أحزاب وقوميات متعصبة في المذاهب الشيعية والسنية ونحوهم. فيقول الله تعالى فيهم (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)[31]. (ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات أولئك لهم عذابٌ عظيمٌ)[32]. (إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا لستَ منهم في شيء إنما أمرهم الى الله ثم ينبؤهم بما كانوا يفعلون)[33]. وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[34] . (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[35]. وعند تشكيل الجماعات عليهم عدم التطرف والغلو للحزب والجماعات والشيخ أو المرشد، فيجب أن تكون أساس ذلك كسب رضاء الله تعالى، ونهج منهج الرسول عليه الصلاة والسلام في تعاملنا مع كافة المسلمين من دون أن نفرق ما بين المنتمي لحزبنا أو جماعتنا أو الغير المنتمي لهما، لأن أساس العمل هو التقوى والعمل من أجل كسب رضاء الله تعالى كما ذكرنا. ونقول للمتطرفين للحزب أو للجماعة هل كان لجماعة حزب الله الحقيقين التي كان يقوده نبينا محمد (ص)، ميزة خاصة لهم أم كانوا هم كانوا يفدون أنفسهم وأموالهم من غير أن ينتظروا منافع شخصية من أموال ومناصب ونحو ذلك؟ فعند عمل أي شخص في الحزب أو مع الجماعات عليه أن ينتظر الثواب من الله تعالى لا من الحزب.

فيقول الدكتور عبدالله ناصح علوان رحمه الله في كتابه مدرسة الدعاة: نعلم أن تكوين الجماعة الإسلامية فريضة شرعية .. وذلك للأدلة التالية:

1ـ من القرآن الكريم :

ـ قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). آل عمرآن، 103. ـ قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وألئك لهم عذاب عظيم). آل عمران، 105. ـ قوله تعالى: (وإن أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون). المؤمنون، 52.

2ـ ومن نصوص السنة :

ـ الحديث الذي رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان.. آخر الحديث (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم). ـ ما رواه الترمذي وابن المبارك عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بالجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة). ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما : (وآمركم بخمس: بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله ، فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع ، و إن صلى و إن صام ؟ قال: وإن صلى و إن صام و زعم أنه مسلم ).

3ـ ما أجمع عليه سلف الأمة :

ـ عن عمر الفاروق فيما أخرجه الدارمي قوله (لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة). ـ  يقول ابن حزم في الملل: أجمع أهل السنة، والمرجئة والشيعة والخوارج.. على وجوب نصب الإمام  ..)فمن هذه النصوص يتبن أنه يجب على المسلمين أن يكونوا فيما بينهم قيادة سياسية و جماعة إسلامية واحدة ، يحققون عن طريقها حكم الله في الأرض ، و يقيمون بسببها خلافة إسلامية راشدة .. وللدعوة الفردية سلبيات كثيرة، ولا تستطيع تلك الدعوة الفردية – بمعنى أن أن يقوم فئة من المسلمين تعمل بمفردها ، و تمضي في طريق الدعوة إلى الله.

 

إن سلبيات الدعوة الفردية تتركز فى  النقاط التالية :

1ـ أنها قليلة الأثر، ضئيلة الثمرات محدودة النتائج .

الخلاف بين أفراد تلك الدعوة ، والذي قد يصل إلى حد الكيد والتناحر ..

 أنها تورث في أصحابها بعض الآفات النفسية من العجب والغرور والحسد والرياء ..

أنها تسبب الإحباط واليأس من العمل الإسلامي وخاصة حين يرى الناس تلك الجهود تذهب أدراج. الرياح.

5ـ ومنها سلبية ارتباط المريد بالشيخ ارتباطا لا وعي فيه ولا بصيرة معه .. أما أن الدعوة الجماعية معرضة لضرب الحكومات اللادينية ، وملاحقة دعاتها واضطهاد شبابها؛ فباستطاعة قيادة الدعوة الجماعية أن تضع الخطط المرحلية والوسائل الدعوية ما تستهدف به البدء بالتكوين التربوي إلى التبليغ الدعوي، إلى التجميع الشعبي، إلى التركيز على القاعدة الصلبة .. والجماعة الإسلامية حين تكون في مرحلة الضعف فلا يجوز لها شرعا أن تسير في طريق المقاومة ومجابهة الأعداء ..  وحسبها في ذلك أنها تأست بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه حين كان في مكة في فترة الضعف؛ لم يأذن للمتحمسين من أصحابه أن يميلوا على أهل مكة بمقاومة أو قتال ..وإنما كان يأمرهم بالصبر والمصابرة، ويحضهم على التعقل والانضباط إلى أن أتت مرحلة الهجرة إلى المدينة، وهي مرحلة التجمع والقوة ..

ومن أحب أن يتوسع في الدعوة الفردية والجماعية وإيجابيات وسلبيات كل منهما فليقرأ كتاب مدرسة الدعاة – الجزء الثاني .. و" كيف ندعو إلى الإسلام " لفتحي يكن.

وإليكم رأي الأستاذ عصام زيدان الكاتب والباحث: فيرى تعدد الأحزاب الإسلامية من قبيل الأمور الإيجابية وتعكس وعياً كبيراً لدى هذه الحركات بأهمية الانخراط في العمل السياسي وعدم ترك المساحات شاغرة أمام القوى الأخرى التي يقف بعضها متربصاً بالشريعة والإسلام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تعدد الأحزاب الإسلامية يفسح المجال أمام تنوع الأطروحات؛ وهو ما يعني أن المهتم سيجد بغيته وما يعكس اهتماماته في أيٍّ من الأحزاب المطروحة، ومن ثَمَّ نقلل من تسرُّب النخب إلى الأحزاب الأخرى ذات المرجعيات غير الإسلامية.

 

سلبيات الأحزاب والجماعات التي يمكن أن تكتنف هذه الظاهرة فهي متعددة نذكر منها:

محاولة كل حزب تشويه الحزب الآخر ورميَه بالاتهامات الباطلة، والدخول في مهاترات تضيع معها القضايا الكبرى التي يجب أن توليها هذه الأحزاب الجزء الأكبر من اهتماماتها، كما يخشى من الحزبية الضيقة؛ بحيث يلتف كل حزب بعباءة حزبية، ومن ثَمَّ تكون هذه الأحزاب مجرد انعكاس لما هو حادث بين الحركات والجماعات الإسلامية من خلافات حول بعض الأمور الفقهية التي وَسِعَت مَن قَبْلنا وضاقت علينا.

ويرى عصام زيدان، أنه يمكن التخلص من هذه السلبيات بوجود منسقية عامة تجمع هذه الأحزاب تكون مهمتها فض الإشكاليات مبكراً ومنع تفاقمها، والتنسيق بين الحملات الدعائية والترشح إذا ما قررت هذه الأحزاب خوض الانتخابات.

ويمكن القول هنا لو تحقق تشكيل الدولة الاسلامية وطبقت أحكام الشريعة الاسلامية، الله أعلم فلا يحتاج المسلمون إلى تشكيل الأحزاب السياسية، لأن الحفاظ على سلامة وحدة الأمة الاسلامية يتطلب ذلك.

 

الوسطية وعدم الإفراط والتفريط

 

هناك موضوعان أساسيان في الإفراط والتفريط:

هذان الموضوعان الأساسيان أشدّ خطرًا على الأفراد والشعوب مما سواهما من بقية المواضيع وهما:

 

1ـ أولهما الإفراط والتفريط في طلب العلوم: ويمكن تقسيمها إلى قسمين:

 

القسم الأول: الوسطية وعدم التفريط في الجهل:

أي عدم الجهل على الأقل لعلوم دينية ضرورية وعقائدية، وعند منع تعلم العلوم وعدم التشجيع لتعلمها، قد يؤدي الفرد إلى عدم معرفة الله تعالى خالق الكائنات والمخلوقات، وقد يؤديه إلى الإفراط في الكفر بالله وعدم طاعة أوامره. كما نعلم أنّ الدّين الإسلامي يأمر الناس يتعلموا العلوم، وأول آية نزلت هو (إقرأْ). وعلى الأقل أن يتعلم ضروريّات العلوم الإسلاميّة والتي يفرض على معرفتها لكل مسلم عاقل بالغ ويسمى الضروريات "بفرض العين" من العلوم، ولا يُعذر الجهل بمخالفةِ أوامر الله تعالى، وتدخل في مجموعة علم أصول الدّين،  وبالدّرجة الأولى علم العقيدة. ومن مواضيعه الإيمان بالله وما أنزل وأُمر به. وفي الدّرجة الثّانية علم الأخلاق وقسم من علم الفقه، ومن مواضيعه تنفيذ الأعمال الصّالحة والنّهي عن الأعمال القبيحة، هناك أيات كثيرة تثبت ذلك (من آمن باللهِ واليوم الأخرِ وعملَ صالحًا فلهم أجرهُم عند ربهم)[36].(إلاّ مَن تاب وعملَ صالحًا فأولئكَ يدخلونَ الجنّةَ)[37].(الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات طوبى لهم وحُسن مآب)[38]. وكما يقول المثل (الإنسان عدو ماجهل) لذا إذا لم يعرف الإنسان من العلوم الدّينية شيئًا فقد يؤديه إلى الكفر والعصيان، وآيات وأحاديث كثيرة على هؤلاء. أو قد يكونوا من المنافقين بتأييدهم الطغاة والظالمين أو السكوت عليهم بسبب جهلهم، فهؤلاء كما نعلم أشدّ كفرًا من الكافرين فيقول الله تعالى (إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النار)[39]. علمًا أنّ موضوع الجهل مردود في الإسلام ولا يقبل الإسلام عذر الجاهل عند ارتكابه الأخطاء من الجزاء والعقاب، إلاّ إذا تاب وعمل صالحًا. وفي القرآن الكريم 24 آية على الجهل. وهناك آيات مرادفة للجهل في القرآن منها ( لايعلمون ـ لا يفقهون ـ لا يدركون ـ لا يسمعون ـ لا يتعلمون ـ لا يشعرون ـ لا يذكرون ـ لا يبصرون ـ غافلون)، وكل هذه الآيات دلالة على تشويق التعلم وعدم الجهل بأمور حياتية وعقائدية مهمة.

 

والقسم الثاني: الوسطية وعدم الإفراط في طلب العلم:

وقد لا يكتفي الناس بطلب العلوم الضرورية (الأساسية)، أو أن الناس لا يكتفون بعلم واحد أو لعلم تخصصي واحد. بل يريد أن يتعلم كافة العلوم والمعارف الأخرى. بل حتى أنه يريد أن يتعلم ويتعمق حتى في العلوم المحرمة: مثل علم السّحر والنجوم والطّلاسم، وعلم الموسيقى الضّالة منها، وعلم الفلسفة (للفرق الضّالة فقط أي الفلسفة اليونانية القديمة الذي تبحث في جوهرها عن الله وأصل الكون وعلّتهِ وحقيقتهِ ولا يبحث عن ظواهر الكون ونظمهِ ونواميسهِ)، وعلم الكلام (المخلوط بعقائد الفلاسفة الضّالة)، وعلم المنطق (المخلوط بعقائد الفلاسفة الضّالة)، وعلم الجفر والحرف (الذي يطّلع النّاس على الغيبيّات). لأنه قد تجر هذه العلوم الناس إلى الشرك والكفر والعصيان (وهم من الفسقة والمنافقين)، ومن أقوال الرسول (ص) على هؤلاء (إنّي لا أتخوّف على أُمتي مؤمنًا ولامشركًا فأما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمه كفره ولكن أتخوّف عليهم منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون) رواه الطبراني والبزاز. (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان) حديث رواه الدارقطن، (سيكون أمراء فسقة فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولستُ منه ولن يردعلى الحوض) رواه احمد والنسائي والترمذي. فهؤلاء جهلة لضرورات العلوم الإسلامية، ويهدفون من وراء علومهم كسب دنيوي ورضاء النفس الأمارة بالسوء من شهرة ومقام وأموال ونحو ذلك.

 

2ـ وثانيهما الإفراط والتفريط في العبادة:

نحن نقول لا إفراط ولا تفريط لا في التّقوى ولا في العبادات الإسلامية. ولأجل توضيح الإفراط في العبادة يمكن تقسيمها إلى قسمين:

 

القسم الأول: الوسطية وعدم الإفراط في العبادة والتفضيل على الغير:

لقد وقع الحدث في عهد رسول الله محمد (ص)، وادّعوا أنهم أفضل من النبي محمد (ص)، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فاني أصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا اعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاريّ، في النكاح. لقد غلو في الدين وتبرأ منهم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم رغبوا عن سنته صلى الله عليه وسلم. والإسلام يرفض تصرفات كلاهما ويريد منهم الوسطية والاعتدال في سلوكهم وتصرفاتهم، ففي كل عصر نجد أمثال هؤلاء يتكرر في كافة مجتمعات العالم الإسلامي، كأفراد أو جماعات، وبأعمالهم هذه فقدوا وسيفقدون دائمًا الأسوة الحسنة وصفات الشهامة والرّجولة والأصالة والغيرة والنخوة والأخلاق الفاضلة، وحتى أنهم سيفقدون هويتهم الشّخصية ودينهم وحضارتهم. قال صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون وقال إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) صحيح الألباني. آن لنا نرجع إلى ديننا ونعود إلى ربنا ونحِكم شرعه فيما بيننا ليصلح أحوالنا ولتعود عزتنا وليرجع مجدنا ولترتفع راية الحق خفاقة عالية وصدق الله القائل (وإن جندنا لهم الغالبون). عباد الله أصلحوا ذات بينكم واعلموا أن الفرقة هلاك – الفرقة عذاب الفرقة دمار (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين).

 

القسم الثاني: الوسطية وعدم التفريط في الابتعاد عن العبادة وتكفير الأخرين على قصورهم:

عدم الافراط في ترك بعض العبادات أو العبث في بعض المهمة في الاسلام كالربا وزواج المتعة وزواج المسيار (النهاريات). وقد يتجرأ بعض المفرطين من الأفراد وحتى الجماعات إلى تنقيص عبادات الأخرين وتكفيرهم وسبّ الرّسل وحتى النبي محمد (ص) والافتراء عليه وعلى زوجاته وحتى في سب العشرة المبشرة بالجنة من الصحابة، أو في عدم قبولهم بعض آيات من القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية أو يفسرونها حسب أهواءهم، ويتبنون المبادئ التكفيرية كشعار إسلامي لهم فيكفّرون كل من يخالف منهجهم، ويستعملون قانون الغاب وقانون سيادة القويّ على الضّعيف في أحكامهم ضدّ كل مسلم يخالف رأيهم. ويمكن أن نجد أمثال هذه الفرق الهدامة في عصر الرسول وبعد وفاة الرسّول (ص) برزت بشكل واضح ولأسباب سياسية وحقد الأعداء على المسلمين في عصر الخلفاء الراشدين وذلك لأجل زرع الفتن بينهم والتي وصلت إلى ذروتها في عهد الخليفة عثمان بن عفان (رض): فظهرت: ـ شيعة علي بن أبي طالب. ـ شيعة معاوية بن أبي سفيان. ـ شيعة المحكمة التي رفضت التحكيم وهم الخوراج ثمّ تفرقت إلى فرق عديدة منها المرجئة والإباضية وغير ذلك. ثمّ تعددت تحت اسماء جديدة وفكرتها نفسها كما نرى في عصرنا الحاضر، والتاريخ يعيد نفسه.

نحن كمسلمين لا نريد التطرف إلى أي طائفة مثال على ذلك لا نريد تكفير المذهب الشيعي والعلوي لمذهب أهل السنة. ولا نريد أن غلاة الشيعة أن يدعوا عصمة أئمتهم من آل بيت، وأن يبالغوا في مدح الإمام علي (رض) وجعله نبيًا مختصبًا حقه من قبل النبي محمد (ص). وكذلك لا نريد تكفير أهل السنة للمذهب الشيعي والعلوي، ولا غلاة السنة بأن يدعوا في قتل عثمان بن عفان سببه عبد الله بن سبأ فقط من دون الغير، ولا أن يبالغوا في مدح الخليفة معاوية بن أبي سفيان. بل نريد احترام الأنبياء والصحابة ورعاية حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية للجميع، وعند وجود الاختلافات نردها إلى الله تعالى وإلى القرآن والسّنة، وأن لا يحكم كل منا على كل من يختلف في رأيه أنه عدو وأنه كافر، لأنّ الحكم على شخص أو جماعة من أمور الله تعالى ومن أمور الدولة الإسلامية العادلة والغير المتعصبة إن وجدت كما في الرسول والصحابة، لذا لا يمكن أن إعطاء الفتاوى من قبل الأشخاص أو مجموعة أشخاص. يا عباد الله أقول لكم أصلحوا ذات بينكم واعلموا أن الفرقة هلاك – الفرقة عذاب الفرقة دمار (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين).

 

بقية مواضيع الوسطية في سطور

 

1ـ الوسطية بين الانفاق والبخل:

أن لا يكون مسرفًا ولا قتورًا  في الإنفاق: قال تعالى (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورًا)[40]. (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا)[41]. والانفاق سواء في سبيل الله أو العائلة أو المجتمع أو الوطن يكون حسب القدرة المالية كما يقول المثل "مد رجلك بقدر لحافك"، أما صرف الأموال أو النعم في المحرمات ولأشياء ليست له بفائدة  فيكون إسراف وتبذير ولا يقبله الدين الإسلامي. وخير مثل على ذلك هو الخليفة عمر بن الخطاب (رض) عندما كان يأتيه الضيوف يطفئ الشمعة العائدة لبيت المال وهو لا يسرف من أموال الدولة بينما الساسيين في الوقت الحاضر يتسابقون في غصب أموال الدولة.

وعدم الإسراف في الشح: لا كنز الأموال بدون فائدة له ولمجتمعه، وتؤدي إلى الضّرر له ولأسرته ومجتمعه. والشح هو شدة حب المال وجمعه من أي جهة ومنع الحقوق الواجبة وظلم العباد بعضهم لبعض. قال صلى الله عليه وسلم: (إتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة وإتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم. وقال (ص): (إياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا) رواه أبو دواود. قال تعالى (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعنا لمهلكم موعدًا).

 

2ـ الوسطية في السعي والكسب:

 لا نريد السّعي والاجتهاد الكثير لدرجة الهلاك وترك العبادات. ولا الكسل والعجز عن العمل. كما قال تعالى (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم) الحج 51. (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) الجمعة 7. (رجال لاتلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) النور 37.(وإن ليس للإنسان إلاّ ما سعى وإنّ سعيه سوف يرى) النجم 39 أي السعي بقدر المستطاع لا لدرجة الهلاك ولا عدم السعي فتؤدي إلى الفقر ثمّ إلى الكُفر والذل والتسول. ولا الكسب الكثير وَالغِنى لدرجة الطّغيان وإحلال الحرام وعدم إعطاء الزّكاة للفقراء ثم تبذير الأموال في المحرّمات  وكسب المال الحرام دون الإقنتناع إلى المال القليل الحلال والتي فيه بركة كبيرة.

 

3ـ الوسطية في الزواج:

عدم الإفراط في الزواج، فمثلاً عند القدرة وتطبيق العدالة بين الزوجات ولا ضرورة شرعية يتزوج الانسان بأربعة، أو عند توفر شروط الزواج لا يكتفي بأربعة، بل يتزوج من بزواج المتعة (المؤقت)  أو بزواج المسيار (زواج الليليات أو النهاريات) وهكذا. من دون الإعتدال بهن كما أمره الله لنا، ومن دون مراعاة الأمور النفسية والمادية والمعنوية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية لكل منهما وحتى للأطفال جميعًا. قال تعالى (وإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) وقال أيضًا (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل وتذروها كالمعلقة) النساء 129. من أجل معرفة شروط الزواج من الثاني والثالث والرابع، أنظر كتب الفقه الإسلامي. ولا نريد الرّهبانية وترك الزواج: فالإسلام يشجع الزواج الحلال ويعتبره أمر مقدس وعبادة للمسلمين، ويأمرنا الله بالأسرة الصالحة قائمة على أسس إسلامية من عقد وشهود وحقوق وواجبات ومسؤوليات. أما الزواج الحرام التي لم يقبله الإسلام فهي محرمة كالتعايش مع أكثر من إمرأة، أو عدم عقد الزواج فيما بينهم، وحتى حرّم زواج المتعة والمؤقت والزواج الصيفي والمسيار إلاَ لضرورة كحلال أكل لحم الخنزير عند الضرورة.

 

4ـ الوسطية ما بين الصبر والعجلة المفرطة:

لا صبر فيهِ ذل وتنازل عن العقيدة، ولا عجلة التي يوقع الإنسان على أخطاء كثيرة، فيؤثر على الإيمان. قال الله تعالى (إنّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب)[42].(أولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا)[43]. قال نبينا محمد عليه الصلاة والسلام (من صبر ظفر).(الصّبر نصف الأيمان).

 

5ـ الوسطية بين حقوق وواجبات المرأة والرّجل:

الالتزام بأومر الله تعالى وحتى القوانين الدولية في موضوع حقوق وواجبات الجنسين، لا تفريط في غصب حقوق المرأة فتذل المرأة كما نرى في المجتمعات الإسلامية وإلى الآن. ولا افراط في إعطاء حقوقها أكثر من الرّجل فتذل الرّجل كما نجد في القوانين المدنية.

 

6ـ الوسطية في النظافة والطّهارة:

 في الطهارة يجب على المسلمين عدم إظهار حساسية كبيرة في نظافة الأبدان وقد أقر الطب على أن بعض البكتيريات تفيد الجسم ولها مناعة لأكثر الأمراض، وحتى المعلبات والحلويات المغلفة خالية من البكتريا ولذلك مضرة للأجسام. ولا أن نترك النظافة مطلقًا فيكون جسمنا ومحل اقامتنا وطعامنا غير نظيفة ومنبع الجراثيم فنتمرض ونهلك.

 

7ـ الوسطية في الملبس والتستر:

 لا أن نلبس ملابس تقشعر به الأبدان، ولا ملابس تظهر الجسم وتتأثر بها الإنسان. ولا الحجاب التي تقشعّر العين. وبالاخص عدم لبس ملابس في بلدٍ لمْ يعتد بهِ أكثريّة الناس. ولا سُفور أو كاسي عاري التي ليست من الاسلام. نرى في بعض الدول الاسلامية إكراه النساء على لبس الحجاب جبرًا. أو عكس ذلك أجبار النساء على عدم لبس الحجاب. وفي كلاهما مردودها سيئة، كما نعلم أنّ "الضّغط يولد الانفجار" وتكون عواقبها وخيمة كما في بعض الدول الإسلامية. ولا إجبارها على السّفور.

 

8ـ الوسطية في الخوف:

لا أن نلبس ملابس تقشعر به الأبدان، ولا ملابس تظهر الجسم وتتأثر بها الإنسان. ولا الحجاب التي تقشعّر العين. وبالاخص عدم لبس ملابس في بلدٍ لمْ يعتد بهِ أكثريّة الناس. ولا سُفور أو كاسي عاري التي ليست من الاسلام. نرى في بعض الدول الاسلامية إكراه النساء على لبس الحجاب جبرًا. أو عكس ذلك أجبار النساء على عدم لبس الحجاب. وفي كلاهما مردودها سيئة، كما نعلم أنّ "الضّغط يولد الانفجار" وتكون عواقبها وخيمة كما في بعض الدول الإسلامية. ولا إجبارها على السّفور.

 

9ـ الوسطية في الكذب:

لا الكذب الدّائم فيكون الإنسان كذّابًا ويخرج الإنسان من الدين، ولا أن لا يكذب أبدًا. كما نعلم لقد أجاز الإسلام الكذب في مواقع ثلاثة كما في قوله (ص) (لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث: الرجل يكذب على امرأته ليصلح خُلُقها، ورجل يكذب ليصلح بين امرأين مسلمين، ورجل كذب في خديعة حرب فإن الحرب خدعة) رواه الإمام أحمد في مسنده، وخديعة الحرب يعني أيضًا جواز الكذب عند جماعة ظالمة يريدون الظلم بك، كذلك يجوز الكذب في مزاح لطيف لا يؤثر على الإيمان كما فعله الرسول (ص) مع الناس.

 

10ـ الوسطية في الحرية:

 لا حريّة مطلقة وإباحية تامة يضر حقوق الأخرين، ولا دكتاتوريّة مطلقة فيؤدي إلى التجاوز وتهميش حقوق الأخرين.

 

11ـ الوسطية في القصاص:

عدم الافراط في القصاص واستعمال القوة والشّدة من أجل التأديب، ولا التفريط والتسامح واللّين في أمر القصاص ويؤدي إلى الفوضى وكثرة الجرائم. بل يتطلب في القصاص الوسطية والعدل والشّجاعة والشّهامة كما أمرنا الإسلام. (أنّ النفس بالنّفس والعين بالعين ..)[44]. وقطع يد السارق والقاتل يُقتل ومثل ذلك.

 

12ـ الوسطية في الإنجاب:

التوازن بين عدم الإفراط والتفريط، لا أولاد كثيرة بدون تربية إسلامية وتأمين العيش السّعيد، ولا عدم إنجاب الأولاد خوفًا من الفقر أو أنانية الأباء لعدم صبرهم وتحملهم على إيذاء تربية الأطفال وإفساد راحتهم أو بسبب العمل، ولا إصدار قرارات سياسية من الدولة الظالمة كما نجد في دولة الصين السماح للشعب لإنجاب طفل واحد ومثل ذلك نجد الدول الأوروبية تشجيع الإنجاب لطفلين، (ولكن في الآونة الأخيرة بدأت بعض الدول الأوروبية بتشجيع الشعب على الانجاب الأكثر)، ولا مثل الدول الإسلامية إنجاب العائلة الفقيرة والعاجزة والجاهلة لأكثر من عشرة أولاد. أمّا الشخص القادر على معيشة وتربية الأطفال فهو حر في ذلك. وإنجاب الأطفال بالإضافة إلى كونه أمر إسلامي فهو أيضًا تدخل مقتضيات مصلحة وسياسة الدولة فعند الضرورة الدولة تشجع على زيادة الأطفال وخاصة في حالة الحروب والكوراث الطبيعية الكبيرة. علمًا أن الدين الاسلامي يشجع على إنجاب الأطفال بشكل عام.

 

13ـ الوسطية في تقييم الأفراد والقوميات:

العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين الأفراد، ولا يمكن الظلم على أساس القربى وعلى أساس التّعصب القومي والمذهبي والطائفي، وجعلهم كما قيل في الجاهلية "أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، ولا يمكن ترك حبهم أبدًا فالإنسان لابد أن يعرف نسبهُ وأصلُه وأن يباهي معهم في التقوى والأخلاق الكريمة وبطلب العلم والشجاعة وتكوين حضارة لهم. ويكون الفائدة لأقربين بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال الله تعالى (الأقربون أولى بالمعروف)، فلا يمكن الاحسان بهم في غصب حقوق الأخرين وسلب أموالهم وظلمهم وقتلهم وفي عدم تطبيق العدالة القانونية والمساواة في الحقوق والواجبات بينهم. وحتى الحب الشّديد والغلو والثناء اليه بصفات لا يوجد عندها يكون تعصبًا أيضًا، وخاصة يكون هذا في مدح الاولياء والشيوخ والأساتذة ونحوها. فالاسلام يأمرنا بحب الله تعالى وبالرسول وآل بيته ثم الآباء وهكذا.

 

14ـ الوسطية في المشي:

لا المشي المتبختر. ولا المشي التي فيه الجبن والخوف كقوله تعالى (ولا تمشي في الأرض مرحًا إنّ الله لا يحب كل مختال فخور)[45] (وعباد الرّحمان الذين يمشون على الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا)[46].

 

15ـ الوسيطة بين الغضب والتساهل:

لا الغضب على شيء دنيوي بسيط يهدف إلى تطمين النفس اللوامة والتي ليس له معنى ولا قيمة دينية. ولا التساهل على أمر إلهي وعقائدي مهم كالكفر على نعم الله والظلم على الوالدين وعلى الناس ونحو ذلك. لأن البغض والحب في الإسلام يكون لأجل الله تعالى فقط.

 

16ـ الوسطية بين التواضع والكبر:

لا التواضع أكثر من الّلازم ويؤدي إلى ضعفٍ وذل، ولا الكِبر أكثر من الّلازم فيؤدي إلى غرور الانسان ويظن أنه الإله كفرعون ونمرود وأمثالهم ويدخلون نار جهنم.

 

17ـ الوسطية في الحسد:

لا حسد فيها أنانية يؤدّي إلى النّزاع والاقتتال. ولا أن نبتعد عن الحسد الحلال كحسد في الإيمان والتقوى والعلم والإنفاق والعمل الصالح، وفي هذا الحسد غبطة وقد حلله الإسلام وفي الغبطة منافسة شريفة لكل الأعمال التي فيها رضاء لله تعالى وفوز الأخرة.

 

18ـ الوسطية في الغيرة:

لا الإفراط في الغيرة فيؤدي إلى الجنون، ونسيان أوامر الله تعالى. ولا عدم الغيرة فيكون الإنسان ديوثًا أي لا يغار حتى على أهله في الدفاع عنهم ونحو ذلك.

 

19ـ الوسطية في الدفاع عن النفس والشّهادة:

لا ترك الشهادة والجهاد على الإطلاق خوفًا من الموت. ولا الشّهادة من أجل النفس والطّواغيت والعلماء الفاسقين. بل يكون الشّهادة والجهاد من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل ومن أجل حماية دين الله تعالى وكسب رضاه، ومن أجل حماية الوطن والشّرف من الأعداء.

 

20ـ الوسطية في الثقة بالناس:

 

 لا أن نثق لكل الناس ولا أن لا نثق بهم جميعًا. بل يجب علينا أن نكون منصفين وأن نتعلم حقائق الانسان بالبحث والتعلم. لأنّ الإنسان ليس معصومًا من الأخطاء، قد يخطأ وقد يصيب وقد ينسى وقد يخون. فمثلاً قد يخطأ من غير تعمد، فنسوء الظّن به. أو قد يخطأ الشّخص الأخر متعمدًا لكونه حاقدًا فنحسن الظن به ونحو ذلك. ومثال أخر قد يأتيك منافق عليم وينصحك بكلام جميل فتثق به وتأخذ كلامه، وصديق عزيز ينصحك بكلام مهم وبجمل بسيطة من دون أن يجله ويعظمه لك فلا تثق به ولا تأخذ كلامه. بل علينا بالوسطية بعد التعلم الحقائق من القرآن والأحاديث أو السؤال من الثقات لأجل معرفة حقائق الأقوال.

 

21ـ الوسطية بين الكلام والسّكوت:

لا الكلام الكثير والثرثرة الكثيرة الفارغة، ولا السكوت الدائم على الحق. بل الوسطية وكما قيل (خير الكلام ما قلّ ودلّ)، وقال (ص) (الساكت عن الحق شيطان أخرس). ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم متقعرًا ولا متشدقًا بحيث لا يفهم، وهذا يدركه كل من قضى عمرًا مع أنفاسه الطاهرة صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يكن يختصر الكلام اختصارًا مخلاً للفهم، بل عليه أن يؤتي جوامع الكلم والرسول عليه الصلاة السلام كان يعيد الكلمة ثلاثًا حتى تعقل عنه قال أنس  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يعيد الكلمة ثلاثًا لتعقل عنه) رواه الترمذي في سننه والحاكم في مستدركه وصححه الألباني في صحيح الجامع (4990). وأما في اعتدال النبي صلى الله عليه وسلم من المتواترات التي يصاب الباحث بالعي وهو يحصي أدلتها ـ وأنى له ذلك ـ من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس) أخرجه ابن سعد (1/371) وصححه الألباني وتوسع في تخريجه في سلسلة الأحاديث الصحيحة (544) والإحالة السابقة مستفادة من الشيخ الألباني.

 

22ـ الوسطية في الضّحك:

لا الضّحك بالقهقهة فيكون فيها خفة، ولا الوجه العبوس، بل يأمرنا بالوجه البشوش المبتسم وحتى الوجه المضحك بضحكة لطيفة لكل أمر جميل  سنة، لأنّ الرسول (ص) لقد ضحك في مواقف عديدة كما نجد في الأحاديث الشّريفة.

 

23ـ الوسطية في رفع الأصوات:

لا كلام لا يُسمع ولا يُفهم منها شيء، ولا صوت عال يؤذي الناس، كقوله تعالى (وأغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير)[47].

 

24ـ الوسطية في التعامل مع الناس:

كما نعلم خلق الإنسان على سلوك وطبائع مختلفة، فاسلوب الخطاب والمحادثة يجب أن تختلف، فقال رسولنا عليه السلام (كلموا الناس على قدر عقولهم)، أي أن نكون مع الصغير صغيرًا ورحيمًا، ومع الكبير كبيرًا ومُحترِمًا لهم، ومع العالم عليمًا وأن نستقبلهم بوقار، ، وأن نكون مع المرضى والعاجزين في حب ولين وشفقة، وأن نكون مع الطاغين شديدًا إذا شديدين معنا. وأن لا نكون مع المؤمنين وحتى مع الناس جميعًا غليظ القلب، كما قال الله تعالى (لو كنت فظًا غليظ القلب لأنفظَوا من حولك).

 

25ـ الوسطية في الحب والاحترام والعطف مع أفراد العائلة:

الوسطية في حب الأزواج والأولاد والأقرباء، لا الحب الشديد التي تفوق حب الله ورسوله. ولا أن نكون كارهين لشخص ما، وقد يأتي يومًا يتوب أو يتغير خلقه فنحبه. ويجب أن يكون مقياس حبنا وكرهنا للناس هو أوامر القرآن والسنة.

 

26ـ الوسطية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وسطية في النصيحة لا التشديد والإكراه على الدين ولا تركه بدون نصيحة، بل كما قال الله تعالى (لا إكراه في الدين) (لو كنت فظًا غليظ القلب لأنفضوا من حولك) وقال الرسول (ص) (كلموا الناس على قدر عقولهم). وعلينا التفكير في كيفية خاطب وتذكرة العقول حتى لا نخطأ في أمر لا يرضاه ديننا.

 

27ـ الوسطية في استعمال الماء:

 إنّ الإسلام يحرم على المسلمين الإسراف والتبذير، حتى في الطهارة والنظافة.

 

28ـ الوسطية في الأكل:

لا أكل كثير ويؤدي إلى الشراهة وفساد المعدة، ولا عدم الأكل فيؤدي إلى الجوع ونقص في الفيتامينات أو المقويات ويؤدي إلى الموت. والرسول (ص) كان يترك ثلث معدته فارغًا عند الكل، فقال (ص) (نحن قوم لا نأكل وإذا شبعنا لا نأكل).

 

29ـ الوسطية في حكم الحكام والسياسيين:

لا دكتاتورية ظالمة ولا حرية مطلقة فاسدة. ولا الحكم بيد جاهل غير عاقل أو أطفال يعرفون السياسة. ولا حكم وراثي فاشل. بل يجب أن يكون الحكم على أسس شرعية مبنية العدالة والمساواة. ومبنية على الصدق والأخلاق الفاضلة.

 

30ـ الوسطية في الحروب:

لاحروب مبنية على استغلال ثروات الدول والشعوب ولا أنها مبنية على قتل الأطفال والشيوخ والنساء والعزل من الناس وتدمير البنية التحتية. بل نريد حروبًا مبنية على العدالة، أو التي فيها الدفاع عن الدين والوطن وصدّ هجمات الأعداء، من دون تدمير البنية التحتية وحرق الأشجار والأشياء.

 

31ـ الوسطية في كيفية التربية والتعليم:

لا يكون بالضرب المبرح والعقاب الشديد، ولا بترك الأفراد على حالهم دون النصيحة والتوجيه الحسن وباللين، وإذا لم يفد فبالتوبيخ، وأخيرًا بالضرب البسيط عند الضرورة. وفي التعليم والتربية يحتاج إلى الترهيب والترغيب والترغيب يكون بالاحترام وبالكلام الجميل وبشراء الهديا. قال الرسول (ص) (علموا أولادكم الصلاة في السبع وإضربوهن في العشر). هنا الضرب ليس كما كان يفعله الجهلة من المسلمين، فيستعمل كل قواه في ضرب الأولاد، بل أوصى الفقهاء بالضرب البسيط الغير المبرح. ومثل ذلك في تأديب المرأة بترك المضاجع.

ملحوظة: وبسبب عدم سيطرة أكثر الناس على أنفسهم عند الضرب، فمنعت الدول الكبرى وحتى الدول الإسلامية كل أنواع الضرب. وأخيرًا اكتشفت إنكلترا فوائد التوبيخ والضرب الغير المبرح في التعليم، وتسعى من أجل تطبيقها. وبسبب رفع التوبيخ والضرب البسيط من كافة الدول، انتشرت بين الشباب إرهابيين وأصبحوا أصحاب المخدرات وعاصوا لله في كل الأمور.

 

32ـ الوسطية في حج البيت الحرام:

لا أن نجعل الحج من أجل السياحة والتجارة ومن أجل الافتخار بالتدين والتظاهر بالتقوى بكثرة الزيارات. بل على المسلمين أن يكون زيارتهم للحج تعالى وكونه فرضًا من فرائض الاسلام. وأن لا نكثر الحج، إذا كانت في البلد مجاعة وفقراء كثيرون.

ملاحظة: مواضيع الوسطية التي أمرنا الله تعالى في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وقد أقرتها الاسلام قبل 14 قرنًا. ولكن قوانين الأمم المتحدة أقرّت هذه المواضيع في ميثاقها قبل عصر تقريبًا، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على أنّ القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان، وهو كتاب العالم أجمع وليست لقومية أو لجماعة معينة كما عند النصارى واليهود خاصة بهم.

والله ولي التوفيق. 

نظام الدين إبراهيم أوغلو ـ تركيا

 


 

[1] المنجد في اللّغة، أنظر مادة سلم، ص 347، الطبعة الحادية والعشرون، طبع دار المشرق، بيروت، 1973.

[2] الأنبياء، 107.

[3] البقرة، 256.

[4] الكافرون،1ـ6.

[5] النحل، 125.

[6] البقرة، 143.

[7] المائدة، 66.

[8] النساء، 171.

[9] المائدة، 77.

[10] الأنعام ، 31.

[11] الأنعام، 38.

[12] الأنعام، 61.

[13] طه، 45.

[14] الأنبياء، 107.

[15] الأعراف، 199.

[16] آل عمران، 159.

[17] فصّلت، 34.

[18] الجاثية، 14.

[19] طه، 44.

[20] الحجرات، 13.

[21] البقرة، 100.

[22] الزّخرف، 78.

[23] الواقعة، 13، 14.8.

[24] النساء، 152.

[25] الرّوم، 32.

[26] غافر، 18.

[27] الحج، 71.

[28] الأنعام، 168.

[29] البقرة، 256.

[30] الحجرات، 10.

[31] الرّوم، 32.

[32] آل عمران، 105.

[33] الأنعام، 159.

[34] المائدة، 56.

[35] المجادلة، 22.

[36] البقرة، 62.

[37] مريم، 60.

[38] الرّعد، 29.

[39] النّساء، 145.

[40] الإسراء، 29.

[41] الفرقان، 67.

 الزّمر، 18.[42]

 القصص، 59.[43]

[44] المائدة، 45.

[45] لقمان، 18.

[46] الفرقان، 63.

[47] لقمان، 19.

 

       Geri

 

Web Siteme Hoş Geldiniz!

اهلاً وسهلاً لزيارتكم موقعنا

 

Copyright ©2006
Nizamettin İBRAHİMOĞLU