Ana sayfa Özgeçmiş Arapça Öğreniyorum Arapça Alıştırmalar İletişim

 
    Ana sayfa > Arapça Makale ve Araştırmalar > İptilada sabır etmek takvalılar için Kefarettir





 
 
 

 

الصبر على الابتلاء كفارة للأتقياء

 

د. نظام الدين إبراهيم اوغلو

باحث أكاديمي تركماني ـ تركيا

e.mail. nizameddin955@hotmail.com

 

مقدمة

 

كما يعلم المسلمون والمتقون في كافة الأديان السماوية، أن الغاية الأساسية من الابتلاءات هو التّقرب إلى الله تعالى، لا التّمرد والعصيان، وخلق الله بني آدم حتى لا يشركوا به شيئًا وأَن يعبدوه ويعظموه ويشكروا على نعمه الكثيرة. فإذا عملوا ذلك نالوا رضا الله فأدخلهم جناته وهم خالدين فيها، فقال تعالى (ولَنبلونَّكم حتى نعلمَ المجاهدينَ منكم والصَّابرينَ)[1] (قُل إنّما أُمرتُ أن أعبد الله ولا أُشرك بهِ)[2]. (وما خلقتُ الجِنّ والإنس إلاّ ليعبُدون)[3]. (ولو أنّهم قالوا سمعنا وأطعنا وإسمع وأنظرنا لكان خيرًا لهم)[4]. (فمن اتّبع هُدايَ فلا يضلّ ولا يشقى)[5]. (ومن يُطعِ اللهَ ورسولهُ ويخشَ اللهَ ويتّقهِ فأولئك هُم الفائزون)[6]. (إنّ المتقين في جنَّاتٍ وعُيون)[7]. وقول الرّسول (ص) (رأس الحكمة مخافة الله) رواه البيهقي والعسكري والدّيلمي. (إذَا اِبتَلَيتُ عَبدي بِحَبِيبَتِهِ فَصَبَرَ، عَوّضتهُ مِنهُما الجَنَّةَ) حديث قدسي رواه البخاري. فأصل خلق الانسان كما ذكرنا هو العبودية لله وعدم الشرك والكفر به، فكيف يمكن معرفة صدق الأمر، يكون بالابتلاء، فعند البلاء يظهر الأتقى من عباده. ودرجة الابتلاء عند الأتقياء والأولياء والأنبياء أكثر وأشدّ من غيرهم.

ومن أجل تحقيق الغاية الاساسية من الابتلاء، يجب أن نعمل كما أمرنا الله تعالى، مثال على ذلك: عند الغِنى وفي كسب الرزق الحلال علينا بالشّكر، وأن لاننسى اعطاء حقّ الفقراء، لأن إعطاء الزكاة والصّدقات يعني الشّكر لله تعالى، وبالعطاء نزكي أموالنا. وكذلك عند الابتلاء بالفقر يجب علينا بالشكر والصّبر عليها، وعند طلبنا المناصب العالية يجب أن نطلبها من أجل إرضاء الله وخدمة الإنسانية لا من أجل التجارة والكسب، وأن لانطلب إلاّ الرزق الحلال، بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم الظلم وتحقيق العدالة والمساواة بين كافة الناس. ولأجل معرفة كل هذه علينا بتعليم القرآن الكريم والعلوم الأخرى حتى يقلل من الوقوع في الخطأ.

 

تعريف الابتلاء:

 

قال إسماعيل بن حماد الجوهري: بلوته بلوًا: أي جربته واختبرته، ولاه الله بلاءً وابلاه إبلاء حسنًا. وابتلاه: اختبره، والتبالي: الاختبار. والبلاء: الاختبار، ويقال: ابلاه الله بلاءً حسنًا وابتليته معروفًا.

وقال ابن منظور: بلوت الرجل بلوًا وبلاءً وابتليته: اخترته وبلاه يبلوه بلوًا إذا جربته واختبره. وابتلاه الله : امتحنه .. والبلاء يكون في الخير والشر. يقال: ابتليته بلاءً حسنا وبلاءً سيئًا، والله تعالى يبتلي العبد بلاءً حسنًا و يبليه بلاءً سيئًا .. والجمع بلايا..

علمًا أن ابتلاء الأنبياء والأولياء ينتهي بالتَوبة، أما الطغاة والمنافقين فلا يعرفون التوبة. فالتوبة من مزايا المؤمنين، والتوبة يكون بعدم الرجوع إلى المعصية. ولكن الندم فقط من مزيا بعض الظالمين فيظلمون الناس ويندمون ثم يعودون ويكررون الظلم، بدون توبة. والابتلاء كرم ولطف من الله تعالى لعباده الطيبين.

 

آيات الابتلاء وموضوع الفتن:

 

والفتن هنا بمعنى الإمتحان، آيات كثيرة منها: (الَم، أحسبَ الناس أن يُتركوا أن يقولوا أمنّا وهم لايُفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين)[8]، (ولنبلوّنكم بشئٍ من الخوف والجّوعِ ونقص من الأموال)[9]، (يسومونكم سوء العذابِ ويُذبّحون أبناءَكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاءٌ من ربّكم عظيم)[10]، (تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسئلون عمّا كانوا يعملون)[11]، (أم حسبتم أن تدخلو الجنّة ولّما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضّراء وزُلزلوا حتّى يقول الرّسول والذّين معه متى نصرُ الله ألآ نصرُ الله قريبٌ)[12]، (وَمَا أَرسَلنَا فِي قَريَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إلاَّ أَخَذنَا أَهلَهَا بِالبأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهٌم يَضَّرَّعُون، ثُمَّ بَدَّلنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ...)[13]. (ولكن ليبلوَ بعضكم ببعضٍ)[14].

 

أحاديث عن الابتلاءات وموضوع الفتن:

 

الابتلاء يُصيبُ المؤمنين والابتلاء لا يأتي لعمل سوء أو منكر، ولكنه قد يأتي لعبرة وتزكية نفس، قال (ص) (حُفّتِ الجنّةِ بالمكارهِ، وحفّتِ النّارُ بالشّهوات) حُفّت: حجبت، متفق عليه. (إنّ الله يُجرّبُ عبدهُ بالبلاء كما يُجرّبُ أحدَكم ذهبَهُ بالنّار فمنهم مَن يخرج كالذهب الأبريزي لايتغيّر ومنهم دون ذلك ومنهم مَن يخرج أسودًا محترفًا). (إذا أحبّ الله قومًا ابتلاهم) رواه الطّبراني وابن ماجة والضياء في المختارة. (إنّ لكُلّ أمة فتنة وإنّ فتنة أمّتي المال) رواه التّرمذي والحاكم وغيرهم. (إنّ الله عزّ وجل إذا غضب على أُمةٍ ثُمّ لم يُنزل بها العذاب غلتْ أسعارها وقصُرت أعمارها ولم تربح تُجّارها وحبس عنها أمطارها ولم يغزُور أنهارها سلّط عليها أشرارها) رواه الديلمي عن علي (رض) (الدّنيا دار البلاء) رواه الدّيلمي عن معاوية. (الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر) رواه مالك ومسلم والتّرمذي. (أشدّ النّاس بلاءً الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل) رواه التّرمذي وابن ماجة وابن حيّان. (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسهِ وولدهِ ومالهِ حتى يلقي الله وما عليه خطيئة) رواه التّرمذي عن أبي هُريرة. لذا يجب علينا أن لا نقولَ لشخصٍ مبتلٍ ببلاء قد تظنه حسن أو شرّ، أنّ الله لا يحبه وقد عاقبه عقابًا شَديدًا، فالأنبياء والأولياء أشَدُّ النَاس بلاءً.

وإصابة الكافرين والعاصين والفاسقين ونحوهم ببلاء غير بلاء المتقين والصالحين، وسوف نتطرق إلى ذلك. وهم يعاقبون على صفاتهم السيئة ومن هذه الصفات الكُفرُ بالله والظلم والقتل والغصب والكذب والزنا وشرب الخمر وتشجيع الفتن فقال عليه الصلاة والسلام (الفتنة نائمة لعن الله من أيقضها) قال النّجم الرّافعي عن أنس ونعيم بن حماد عن ابن عُمر. وقال أيضًا (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة الى قصعتها قالوا: أ من قلةٍ نحن يومئذٍ يارسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يارسول الله ؟ قال حُبّ الدّنيا وكراهية الموت) رواه أبو داود. (إذا ظهر الزّنا والرّبا في قرية أذن الله بهلاكها) رواه الطّبراني والحاكم، وصفات كثيرة من البخل والأنانية والحسد وقتل الناس وظلمهم وآياتٍ وأحاديث كثيرة. أما أبتلاء المؤمنين فيكون كفارة لذنبوبه وتذكرته لله تعالى..

 

نماذج من قصص القرآن الكريم الذين لم يتوبوا ولم يصبروا على البلاء فخسروا الدارين:

1ـ قصة قابيل ولم يقتنع على ما عنده من الاموال فيقتل أخيه هابيل.

2ـ قصة ابن وإمرأة نوح وقد قيل أن اسمها والهة وعدم طاعتهما أوامر الله، ثم الخروج من طاعة أولياء أمورهم فخسرا الدارين.

3ـ قصة قوم لوط وعدم اكتفائهم على زوجاتهم، وقصة إمرأة لوط وقيل أن اسمها والعة وقد عصت أمر زوجها فخسرت الدارين.

4ـ وقصص أقوام عاد وثمود ونمرود وموسى وعيسى وإبراهيم ونحوهم في عدم طاعتهم أوامر الله فظلموا أنبيائهم فعصوا الله وأشركوا به فاستحقوا عذاب الدنيا والأخرة.

5ـ وهناك أنواع الابتلاءات في القرآن يخاطب المسلمين والناس أجمعين، ومن هذه الابتلاءات في الأموال  الأولاد والأزواج فيما بينهما، وفي الكوارث الطبيعية وبالفساد أو حاكم ظالم أو عالم فاسق ونحو ذلك: فقال تعالى (إنّ أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم فأحذروهُ)[15].(قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علمٍ)[16].(وجعلنا بعضكم لبعضٍ فتنةً أتصبرون)[17]. (قال يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا)[18]. (فطوّعت لهُ نفسهُ قتل أخيه فقتلهُ فأصبح من الخاسرين)[19].( قال: اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعضٍ عدوٌّ فإمّا يأتيَنّكم مني هدىً فمَن اتّبع هُدايَ فلا يضّلّ ولا يشقى ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشرهُ يومَ القيامةِ أعمى قال ربّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كُنتُ بصيرًا قال كذلك أتتك أيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى)[20]، الخطاب هنا لأدم وحوّاء وإبليس، وقيل معهم الحيّة أيضًا، وفيه تحذير لكافة البشرية في دار الدنيا. (إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا ...) المائدة 33. (وعذّب الذين كفروا جزاء وذلك جزاء الكافرين) التوبة 26. (ذلك جزاء أعداء الله النار) فصلت 28. (وكذلك نجزي المجرمين) الأعراف 40. (وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسنًا إنَّ الله سميع عليم) الأنفال، 17. (هنالكَ اُبتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدًا) الأحزاب، 11. (وأتينا ثمود النَّاقة مبصرة فظلموا بها) الإسراء، 59. (وإذْ قالَ موسى لقومهِ يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم بإتِّخاذكم العجل) البقرة، 79. (وإذْ قال موسى لقَومهِ اُذكروا نِعمَةَ اللهِ يسُومونَكم سوءَ العَذَابِ ويُذبّحونَ أبنائَكم ويستحيونَ نِسَائكم وفي ذَلِكَ بلاءٌ من رَبّكُم عَظيم) إبراهيم، 6. وإن دل هذا على شيء فإنّما يدل على أن الفتنة أزلية وفطرية بين الناس. والنّاجون منها هم الصّالحون فقط، وقد ذكرهم الله بإلاّ من رحم ربه. وهؤلاء نسبهم قليلة جدًا في الدنيا. كما ذكرنا أن كلمة الابتلاءات، خاصة لامتحان المؤمنين، من أجل إذهاب السّيئات عن الصالحين وكفارة ذنوبهم عند صبرهم وشكرهم على الله تعالى. وبالابتلاءات يزداد إيمان المؤمن وهي سبب دخولهم إلى الجنّة وبدون عذابٍ. أَما لغير المؤمن وغير الصّابر فيستعمل كلمة الجزاء والعقاب بدلا عن الابتلاء. جزى الله بني إسرائيل عندما ظلموا وقتلوا الأنبياء والناس أجمعين. وجزى الله فرعون ونمرود لظلم أنبياءهم وأقوامهم فخسروا الدّارين. وقد نرى أن الابتلاء والجزاء لايختلفان في الظاهر، ولكنهما مختلفان في مغزاهما ففي الأول كفارة ذنوب وخالدين في الجنة وفي الثاني العذاب الشديد في الدنيا وفي الأخرة جهنم وبئس المصير، هكذا علمنا الله تعالى في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.

 

نماذج من قصص القرآن الكريم الذين صبروا وتابوا على الابتلاءات فنالوا سعادة الدارين:

 

1ـ آدم وحواء وشجرة الفاكهة والطّرد من الجنّة. ثمَّ تابا واستغفرا فعفى الله عنهما.

2ـ ابتلاء هابيل بأخيه قابيل، فصبر هابيل على عدم قتل أخيه قابيل.

ابتلاء النبي نوح (ع) بزوجته وابنه كنعان، فصبر عليهم وفاز بنعيم جنات الله تعالى.

4ـ ابتلاء النبي يعقوب (ع) بأبنائه وبفقد بصره وابنه. وصبر على قدر الله، فرجع إلى ابنه ورجع بصره. وكذلك النبي شعيب ابتلاه بفقد بصره.

ابتلاء النبي يوسف بحسد إخوانه وإمرأة عزيز الملك (مابال النّسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ إنّ ربي بكيدهنّ عليم)[21].(وإلاّ تصرف عني كيدهُهنّ أصب إليهنّ، فاستجاب له ربّه فصرف عنه كيدهُنّ)[22]. فصبر يوسف، فرضي الله عنه.

6ـ لقم الحوت يونس لعدم صبره على أخطاء قومه فغضب وترك دياره. ثم تاب ودعى الله فغفره.

7ـ ابتلاء النبي أيوب بالمرض الشديد أيوب وصبره على المرض الذي ألزمه الفراش. وكذلك وفاة أولاده فشكرَ الله وصبر ونال رضا الله.

 ابتلاء إبرهيم (ع) بقومه وأرادوا احراقه في النار، فصبر وشكر على قدر الله تعالى. وابتلاه بذبح ابنه إسماعيل (ع)، فاطاع في الذّبح ففاز. وكذلك ابنه صبر على الذَّبح، وكان يعلم أنه أمر إلهي، فصبر على ذبح أبيه، ففاز هو كذلك في الابتلاء.

9ـ ابتلاء النبي موسى (ع) بملوك الفراعنة، وبقتل النفس الزكية دون أن يتعمد على ذلك. فتاب فعفى الله عنه.

10ـ ابتلاء أمنا مريم (ع) بانجابها ابن ليس له أب، فصبرت فنالت رضاء الله تعالى.

11ـ ابتلاء النبي عيسى (ع) لعدم وجود أب له، فظلمه قومه، وأرادوا أن يصلبوه، فصبر ورضي الله عنه.

12ـ ابتلاء أسيا زوجة فرعون بفرعون الطّاغي. فأكرهت كفر فرعون ولم تطعه، فأدخلها الله الجنة.

13ـ ابتلاء كعب بن مالك وهلال بن أُميّة ومرارة بن ربيع، في تقاعسهم في حرب الخندق، فتابوا الى الله فاستغفر الله عنهم.

14ـ ابتلاء أصحاب الكهف بملك بيزنطي طاغي، وهربوا إلى خارج البلدة واختباؤا في الكهف للتخلص من قتل وظلم الملك، ثم العبادة لله تعالى خالصة من دون خوف. وعندما صبروا على أذى الهجرة، فكافئهم الله بالجنة.

15ـ ابتلاء النبي داود (ع) بقومه وبملك طالوت الظالم.

16ـ ابتلاءات نبينا محمد (ص)، كثيرة منها وفاة والديه وأطفاله وزوجته خديجة، وبافتراء المنافقين على زوجته عائشة في حادثة الافك، وغيرها كثيرة. وابتلاء عائشة زوجة الرسول (ص)، كذلك في حادثة الافك وافتراء المنافقين عليها، فصبرت فنالت رضا الله تعالى. قال الله تعالى في حقهم: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا) الإنسان 12. (وكذلك نجزي المحسنين) الأنعام 84. (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصّالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم) سبأ 4. والابتلاء قد تتحول إلى العقوبة عند عدم التوبة والشّكر والصّبر.

 

الحكمة من الابتلاء التي تصيب المؤمنين الصّالحين

 

في الابتلاء لا نجد فيها ذُل أو خزي ولا فيها خسارة للدنيا والأخرة بل فيها تزكية النفوس وتصفية السّيئات والخلود في الجنّة، وللابتلاء فوائد كثيرة منها:

 

الابتلاء ضرورة للتمكين: التمكين في الأرض وتطبيق شرع الله ـ سبحانه وتعالى ـ فيها شرف عظيم لا يعطى إلاّ لمن يستحقه، ولا يحصل الا بعد التمحيص والتنقية ، لذلك كان الابتلاء معبرًا للتمكين في الأرض وتطبيق حكم الله ـ سبحانه وتعالي فيها. " سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله أيما أفضل للرجل أن يمكّن أو يبتل؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى ، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا  فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أن يخلص من الألم ألبته  (ص) ".

 

التصفية: الابتلاء كذلك تصفية الجماعات الإسلامية مما يختلط بها من منافقين وكذابين، فإذا تعرض الجميع للابتلاء لا يثبت إلا الجماعة المسلمة الصادقة، أما المنافقون والكذابون فيتساقطون في ساحة الابتلاء. قال تعالى (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)[23].

 

تطهير وتزكية النفوس: إنّ النفس البشرية ميالة لإشباع شهواتها بأي طريقة مهما كانت العقبات، لا يضيرها ما يحدث لغيرها في سبيل تحقيق مأربها، لذا كان الابتلاء علاجًا لهذه النفس يزكيها، ويطهرها، ويمحصها، وينقيها ؛ لتتشرف بحمل رسالة الوحيد، فلا بد من الابتلاء. فتأمل هذه من إبن قيم الجوزية !!! لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة .... عوقب بالخروج منها !!  ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا .... لبث فيه بضع سنين !! لذا على الأولياء أن لايسألوا غير الله فليس دونه واسطة...

 

لأجل التمايز: قال تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم)[24] يظهر الابتلاء الفروق المميزة بين المؤمنين ؛ فالمؤمن القوي ثابت مهما تعرض للابتلاءات لا يهزه الابتلاء، بل يزيده إيمانًا وثباتًا على الحق، وأصدق الأمثلة على ذلك الصحابي الجليل: بلال بن رباح، وقد ميزه الله سبحانه وتعالى على كثير من المؤمنين بالصبر، وقوة الإيمان والتحمل. فعندما تعرض أكثر الصحابة للإيذاء من صنديد قريش ظهر تميز بلال فلم يتفوه بكلمة تنال من عقيدته رغم تعرضه لأشد العذاب.

 

5- تكفير الخَطايا والسيئات: أي كفّارة للذنوب، عندما يتعرض المؤمن للابتلاء، ويصبر عليه ويحتسب فإنه يكفر من خطاياه وسيّئاته قال الله تعالى (وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) الأعراف، 94، 95. وقال (ص) (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسهِ وولدهِ ومالهِ حتى يلقي الله وما عليه خطيئة) رواه التّرمذي عن أبي هُريرة. وقال (ص) (ما من مسلم يصيبه أذى، شوكه فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) وقال (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته).

 

رفع الدرجات: يرفع الله المؤمنين بتحملهم وصبرهم على البلاء درجات في الجنة فقال تعالى :( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) سورة المجادلة آية 11. وقال نبينا محمد (ما يصيب المؤمن من شوكه فما فوقها إلا رفعه الله بها درجه أو حط عنه بها خطيئة) وقال (ص) ( فليس من عبد يقع الطاعون ويمكث في بلده صابرًا ويعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد).

 

إسعاد المؤمن: تدخل الابتلاءات السعادة والسرور إلى قلب المؤمن لعدة اعتبارات منها : علم المؤمن أن الله إذا أحب قوما ابتلاهم  لقولهِ (ص) (إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم ؛ فمن رضي فله الرضاء ومن سخط فله السخط). ومنها : (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا) (من يرد الله به خيرًا يصب منه).

ملاحظة: وقد يكون من أجل تعليم فهم معنى التّوكل الحقيقي على الله تعالى، وما يجب عليهم من الرّجوع إلى الأخذ بالأسباب. أو أنها نوع خاص من تربية الناس. أو أنها عبرة لبيان قُدرة الخالق وعظمتهِ. والأنبياء والصّالحون أيضًا مُعرّضون إلى الفتنة والامتحان، بالرغم من أن الله يُحبهم ويُريد لهم الخير كثيرًا.

 

مواقف الصّالحين أمام الابتلاءات:

 

1ـ عدم الخوف من لومة لائم ولا من الموت.  2ـ عدم الضّعف أمام الظّالم.  3ـ عدم اليأس عند تأخير النَّصر.  4ـ عدم الذّل لأجل أمور دنيوية.  5ـ الصّبر وعدم الكُفر. (وكأين من نبيٍّ قاتل معهُ الرّبيون كثيرٌ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعَفوا وما استكانوا والله يُحبّ الصّابرين) آل عمران 146. (أشدّ النّاس بلاءً الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل) رواه التّرمذي وابن ماجة وابن حيّان. (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسهِ وولدهِ ومالهِ حتى يلقي الله وما عليه خطيئة) رواه التّرمذي.

 

كيف يتم النجاح من الابتلاءات والخلاص من العقوبات؟

 

يكون بالإيمان بالله وبالعمل الصّالح وبالنيّة الصّادقة وبالاستغفار والتّوبة والدّعاء والسّعي والصّبر وعدم اليأسِ والعصيان عليه شرًّا كان أو خيرًا ثم أننّنا لا نعرف أيهما خير لنا، لأننا لا نعلم ولا ندرك في أيّ الابتلاءات يكون لنا خيرًا أو شرًّا علينا ولهذا يجب علينا في كل الأحوال الصبر على قدر الله تعالى، وأن نطلب في دعائنا البلاء الحسن، وفي أمور الدّنيا بما هو خيرٌ لنا فقال تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون‏) البقرة، 216. (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون‏) النساء، 19. قال الغزالي رحمه الله: إذا رأيت الله يحبس عنك الدنيا ويكثر عليك الشدائد والبلوى. فاعلم أنك عزيز عنده. وأنك عنده بمكان. وأنه يسلك بك طريق أوليائه وأصفيائه. وأنه يراك. أما تسمع قوله تعالى. (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا).

والنجاح في الابتلاء يكون بالتمسك بأوامر الله تعالى وبأحاديث الرسول (ص) وبالتّوكل عليه في كلّ أمورنا وبالحب والبغض لله تعالى ثمّ بالوحدة وبالحبّ وبالتّعاون مع المؤمنين بشرط عدم التّعصب والتّفرقة والظّلم، فقال الله تعالى (إنّما المؤمنون إخوة)، وقال الرسول (ص) (لا فرق بين أعجمي على عربي إلاّ بالتّقوى) وقال أيضًا (لايؤمن أحدكم حتّى يُحبّ لأخيهِ ما يُحبّ لنفسهِ)، وعند الاختلاف يجب الرّجوع إلى القرآن والسّنة بعد الإيمان بهما، ثم أن لا ندخل أهوائنا ومصالحنا الشّخصيّة أو الجماعيّة والطّائفيّة. وعلينا أن نحفظ أٌمّتنا الإسلاميّة من الأعداء وأن نحفظ أوطاننا من الاستيلاء. وإذا أصبحنا مؤمنين سوف نعيش عيشة سعيدة راضية في أوطاننا، وقد أوعدنا الله تعالى في قوله (بَلدةٌ طيبةٌ وَربٌّ غَفورٌ) سبأ 15، ( والبَلدُ الطَّيبُ يَخرجُ نَباتهُ بإذن ربّهِ) ك، 58. (ولو أَنَّ أَهل القُرى أضمَنوا وإتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) الأعراف 96.  (ومَا كان ربّك ليُهلِكَ القُرى بظُلم وأهلها مُصلِحونَ) هود 117. وإذا لم نصبر على الابتلاءات وعصين الله تعالى فسوف نهلك ونزول ويأتي الله بقوم يحبونهم ويكونوا خلفائهم على الأرض،  فقال تعالى (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة) الحج 45، (ياأيّها الّذين آمنوا مَن يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ يُحبّهم ويُحبّونه، أذلّةٌ على المؤمنين أعزّةٌ على الكافرين، يُجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائمٍ ذلك فضلُ الله يؤتيه مًن يشاء والله واسٍعٌ عليم )[25]. (ومن يتولّ الله ورسوله والّذين آمنوا فإنّ حزبّ الله هم الغالبون)[26]. وقال أيضًا (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) محمد، 38. فالذين ينجحون في هذه الابتلاءات الذين يسلكون الطريق السّوي فلا يؤثر عليهم وسوسة الجن والشّيطان، ولا يسوقهم الى نار جهنم. فينالون رضاء الله ويرزقهم الله من حيث لا يحتسبون ويدخلون الجنة خالدين فيها. فقال الله تعالى (فأَزلَّهُما الشَّيْطانُ عنها فأَخرجهُما ممَّا كانا فيه وقُلْنا اهْبطُوا بعْضُكُم لبعضٍ عدُوٌّ ولكُمْ في الأَرْض مُسْتقرٌّ ومتاعٌ إِلى حينٍ )[27]. (ولو شَاءَ ربك لجعلَ النّاسَ أمّةً واحدةً ولا يزالون مختلفين، إلاّ من رحِم ربك)[28]. (ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب)[29]) ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا)[30].

 

طرق الخلاص من السّيئات حتى ننال مغفرة الله: آيات كثيرة على ذلك منها:

 

ـ (والّذين عملوا السّيئات تابوا من بعدها وآمنوا وإنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيم) الأعراف، 153.

ـ (إنّ الحسنات يُذهبن السّيئات ذلك ذكرى للذاكرين) هود، 114. ـ (ويدرؤن بالحَسنةِ السيّئة وممّا رزقناهم يُنفقون) القصص،54. ـ (ولاتتّبعوا خُطواط الشّيطان إنّه لكم عدوٌ مُبين) البقرة ،168، 208. ـ (ومن يكن الشّيطانُ لهُ قرينًا فساءَ قرينًا) النّساء، 38. ـ (إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم) النّساء، 31. ـ (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاُ يُكفّر عنه سيّئاته) التّغابن، 9. ـ (إلاّ من تاب وآمن وعمل صالحًا فاؤلئك يدخلون الجنّةَ) مريم 60. ـ (ومن يتّقِ الله يكفر عنه سيّئاته ويُعظم له أجرًا) الطّلاق، 5. ـ (ربّنا إغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيّئاتنا وتوفّنا مع الأبرار) آل عمران، 193. لأجل التخلص من السيئات كما ذكرنا يحتاج إلى النّية الخالصة لأجل التخلص من الذنوب والتوبة النّصوحة من غير الرجعة إليها مع الدّعاء الكثير لله تعالى. بالإضافة إلى الصوم والصلاة والزواج من زوج صالح، وتربية الأولاد على الاسلام والانفاق في سبيل الله.

 

ضمان سعادة الدنيا والأخرة بعد النّجاح من الابتلاءات الدُنيوية

 

قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم (‏أُمَّتِي هَذهِ أُمَّةٌ مرْحُومَةٌ لَيسَ عَليهَا عَذَابُ فِي الآخِرَةِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا ‏‏الفِتَنُ ‏‏وَالزَّلاَزِلُ وَالقَتْلُ). قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 2 /684  وأخرجه أبو داود والحاكم وأحمد من طريق المسعودي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى. وهناك أحاديث يؤيد ذلك: (إنَّ هَذهِ الأُمّة أُمَّة مَرْحُومَةٌ عَذَابُهَا بَأيدِيَهَا فَإذَا كَانَ يَوُم القِيَامَةِ دَفَعَ إلى كُلّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمينَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِيَن فيقال: هذا فداؤك من النار .تخريج السيوطي عن أنس .تحقيق الألباني صحيح انظر حديث رقم : 2261 في صحيح الجامع. (مَن قَالَ رَضِيتُ بِاللهِ رَبًا وَبِالإسْلامِ دينًا وَبمُحَمّدٍ نبيًا وَجَبتْ لَهُ الجَنّةَ). عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَنْ أَسْتَكْثِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) سلسلة الألباني (حسن). عمومًا المؤمن الذي لايشرك بالله ويراعي حقوق العبد والعباد يدخل الجنة، هناك آيات وأحاديث كثيرة على ذلك. ولكن هذا يحتاج رحمة رب العالمين وإلى بذل جهد وعمل..

 

ضمان سعادة الدنيا:

 

تأتي كما ذكرنا بعد استعمال المسلم إرادته الجزئية في طريقه الله تعالى بالايمان به وبالعمل الصالح والتّوسل اليه، وبكسب الرزق الحلال وانفاقه على نفسه وأهله والنّاس أجمعين ونحو ذلك. ومن ادّعى انّه بذكائه وماله وقوّته سيضمن له السعادة فقد طغى وكفر على الله، لأنّ ديننا يحذرنا بمثل هذه الإدّعات إذ يقول الله تعالى (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلاّ أن يشاء الله)[31]. (قل أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلاّ ما شاء الله)[32]. (والله يرزق من يشاء بغير حساب)[33]. (وما من دابةٍ في الأرض إلاّ على الله رزقها)[34]. (وتذل من يشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير)[35]. (وتعزّ من تشاء)[36]. (ويعذب من يشاء)[37]. (ويرحم من يشاء وإليه تقلبون)[38]. وآيات كثيرة، كلها تدل على أنه لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم وبيده كل شيء، وهو القادر والقوي والعظيم والرزاق والمحيي والمميت وكل ذلك تحت إرادته الكلية وحده. (الّذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا قُل فادرءوا عن أنفسكم الموت إنْ كنتم صادقين)[39]. والإرادة الجزئية المعطاة إلى بني الإنسان فهي محدودة، ويمكن أن نقول أن الذي لا يستطيع أن يخلص نفسه من داء الموت والشيخوخة والأمراض والفيضانات والزلازل والطوفان والتخلص من الابتلاءات الله الكثيرة من فقر وغنى وفرح وحزن وعذاب وألم وطمأنينة وجوع وظلم وأمان ونحو ذلك، فلا يمكن له أن يدّعي أنه يستطيع أن يجلب له السعادة دون ان يمسه ابتلاء، قال تعالى (ولنبلوّنكم بشئٍ من الخوف والجّوعِ ونقص من الأموال)[40] قال (ص) (حُفّتِ الجنّةِ بالمكارهِ، وحفّتِ النّارُ بالشّهوات) حُفّت: حجبت، متفق عليه. (الدّنيا دار البلاء) رواه الدّيلمي. والابتلاء كما ذكرنا للمؤمن تكفير الخَطايا والسيئات ورفع الدّرجات، وللكافر عذاب الدّنيا وخزيٌّ في الأخرة. وقد يستطيع بعض الناس أن يجلب السَّعادة لحِينٍ من الزّمن في الدُّنيا وذلك بالعبادة الكثيرة والسّعي والدُّعاء والتّوكل على الله. فقال تعالى (فمن تبع هُدايَ فلا يَضلّ ولا يَشْقى ومن أعْرَضَ عن ذكري فإنّ له مَعيشةً ضَنكَى) طه، 124، 126. لذا على كل إنسان عاقل أن يضع نصب عينه كل هذه المواقف وأن لا يتغرر ويتكبر على الناس، وأن يتهيأ لكافة المواقف الحياتية وأن يصبر على كل ما هو آتٍ من الله أو من الناس وحتى من الأقربين وأن يصبر على البلاء وأن لا يطغى على الله وأن لا يظلم الناس، (وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريرًا)[41] (ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الّذين أنعم الله عليهم)[42]. فطريق الحياة شاق وصعب والوصول إلى الجنة ليست بهينة. وعند نجاحهم في ابتلاءات الله تعالى فسوف يبشر الله لهم بالهناء والسعادة الأبدية في الدنيا والأخرة.

 

ضمان سعادة الأخرة:

 

كذلك يكون بطاعة الله تعالى وبالأعمال الصالحة. (وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصّالحات أن لهم جنات)[43].(وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم)[44]. (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم)[45] (وإنّكم ستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم) رواه بخاري ومسلم. وقال (ص) (إن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم) رواه مسلم وابن ماجة. وقال (ص) (أيَها النّاس، إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، وإن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنّ المؤمن بين مخافتين: أجلٌ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وأجلٍ قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليتزوّد العبد من نفسهِ لنفسه، ومن دُنياهُ لأخرته، ومن الحياة قبل الموت، فإن الدّنيا خُلقت لكم، وأنتم خُلقتم للأخرة، فوا الّذي نفس محمّدٍ بيده، ما بعد الموت من مستعتبٍ، ولا بعد الدّنيا دارٌ، إلاّ الجنّة أو النّار) خطبة رواه جعفر بن محمد. والمؤمن الصادق في إيمانه وعبادته ومعاملاته، سوف ييسر الله له طريق سعادة الدارين كما يسّر للسابقون السابقون والمبشرون بالجنة وبالشهداء والصالحون، إن شاء الله تعالى. ولكن إذا أردت زيادة درجتك في التقوى وأن تحشر مع الأنبياء والصّديقين عليك بالإرادة القوية وأن تتحمل الابتلاءات الكبيرة التي قد يصبك في الدنيا، وأن تترك الدنيا، ولا تبالي بما فيها كما طلق الامام علي الدنيا ثلاثًا لا رجعة فيها. 

ختام

 

تأتي الابتلاءات منذ الولادة وإلى نهاية حياته، ونحن نلتمس هذه الظاهرة في حياتنا اليومية سواء في أسرتنا أو مجتمعنا. وقد تتأخر الابتلاءات لبعض الناس إلى مابعد كبر أولادهم فيظن أنه لا يصبه أي ابتلاء وتستمر حياته على هذا النمط، وسرعان ما يجد هؤلاء تغيرات كبيرة في حياتهم، فتأتي الابتلاءات إما عن طريق قلة أموالهم أو مرضهم أو عصيان أولادهم ونحو ذلك لا قدّر الله. وعلى المسلم أن يدعوا الله دائمًا أن يعطيه ابتلاءات لا يتحملها. ولأجل الفلاح في الدارين والنجاة من الابتلاءات، يجب علينا كما ذكرت أن نتمسك بأسباب النّجاح وأن نكون في طاعة أوامر الله تعالى، وأن نكون مطلعين على كافة العلوم الاسلامية. والعمل من أجل كسب المال الحلال، والسعي من أجل العمل الصالح، وأن نكون اليد العليا واليد المنفقة. وأن نكون يقظين وأن لا ننخدع لمكر الأعداء، وأن نطالب حقوقنا، ونردّ الظّالم على ظُلمه، وأن ننتخب الحاكم العادل، وأن لا نكون عالة على الأخرين، وأن لا نكون متوكّلين أو قنوعين على أقدارنا. وبعدها سنكون في راحة وطمأنينة وأمان. والابتلاءات التي قد تحصل كلها نعمٌ من الله لمن أَدركَ وآمَن بهِ وصبر على الابتلاءات. والدّعاء كذلك يخفف البلاء فقال الرسول (ص) (لايُعني حَذَرٌ من قَدرٍ، والدّعاء ينفع مما نزل، وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل فيتلّقاه الدّعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) رواه الحاكم والبّزاز والقضاعي. وقال (ص) (لا يرد القضاء إلاّ الدّعاء، وإنّ الدّعاء ليلقي القضاء (البلاء) فيعتلجان إلى يوم القيامة) أي أنه يوقف التنفيذ ولم يبطل الحكم في اللّوح المحفوظ. (الدّنيا دار البلاء) رواه الدّيلمي عن معاوية. وقد يجد بعض الناس بعض السَّعادة في الدُّنيا وذلك بالعبادة الكثيرة والسّعي والدُّعاء والتّوكل على الله. ولكن على الإنسان العاقل أن لا يتكبر ولا يطغى على الناس، وأن يصبر على كل ما هو آتٍ من الله ، لأن مكافئتهم ستكون كبيرة (وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريرًا)[46]. (ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الّذين أنعم الله عليهم)[47]. (وكنتم عن آياته تستكبرون)[48]. ندعو الله بلاءًا حسنًا بما نطيقه ونتحمله، وأن يلهمنا الصبر عليها وأن ييسر لنا حياتنا، لكي نحمده ونسبحوه كثيرًا.

والله وليّ التّوفيق.

 نظام الدين إبراهيم أوغلو ـ تركيا


 

[1] محمد ، 31.

[2] الرّعد، 36.

[3] الذّاريات،56.

[4] النّساء، 46.

[5] طه، 123.

[6] النّور، 52.

[7] الذّاريات، 15.

[8] العنكبوت، 2، 3.

[9] البقرة، 155.

[10] إبراهيم، 6.

[11] البقرة، 134.

[12] البقرة، 214.

[13] الأَعراف ، 93، 94.

[14] محمد، 4.

[15] التّغابن، 14.

[16] الأنعام،140.

[17] الفرقان، 20.

[18] يوسف، 5.

[19] المائدة، 30.

[20] طه، 123، 126.

[21] يوسف، 50.

[22] يوسف، 33، 34.

[23] العنكبوت 2،3.

[24] محمد 31.

[25] المائدة 54.

[26] المائدة 56.

[27] البقرة، 36.

[28] هود، 119.

[29] الطلاق،2ـ3.

[30] الطلاق، 5.

[31] الكهف، 23.

[32] التوبة، 188.

[33] البقرة، 212.

[34] هود، 6.

[35] آل عمران، 26.

[36] آل عمران، 26.

[37] البقرة، 216.

[38] العنكبوت، 21.

[39] آل عمران، 168 .

[40] البقرة، 155.

[41] الإنسان، 12.

[42] النّساء، 69.

[43]البقرة، 25.

[44]المائدة ،9.

[45] الشعراء، 88،89.

[46] الإنسان، 12.

[47] النّساء، 69.

[48] الأنعام، 93.

       Geri
 

Web Siteme Hoş Geldiniz!

اهلاً وسهلاً لزيارتكم موقعنا

 

Copyright ©2006
Nizamettin İBRAHİMOĞLU